كيف تَذكّرنا أسرار محاولة اغتِيال مشعل قبل 22 عامًا

الحَلقة لاستقصائيّة التي بثّتها يوم أمس القناة 13 الإسرائيليّة عن اغتِيال السيّد خالد مشغل، رئيس المكتب السياسيّ السّابق لحركة “حماس” في أيلول (سبتمبر) عام 1997، وما كشَفته من أسرارٍ حول تفاصيل العمليّة وكيفيّة ردّ العاهل الأردني الراحل الملك حسين عليها، تُقدِّم للزّعماء والمسؤولين العرب دَرسًا في كيفيّة التّعاطي مع هذه الدولة المارِقَة، والمسؤولين فيها، خاصّةً بالنّسبة إلى المُطبّعين منهم الذين يثِقون بهؤلاء، ويتودّدون لهم، ويحلُمون في احتِماليّة أن يكونوا حُماةً لهُم.

عمليّة مُحاولة الاغتيال هذه للسيّد مشعل في العاصِمة الأردنيّة جاءت بأمرٍ من بنيامين نِتنياهو الذي أراد الثّأر من سِلسلة هجمات استشهاديّة لمُقاتلي حركة “حماس” في قلب القُدس وتل أبيب المُحتلّين التي زعزعت استقرار الدولة العبريّة، وقزّمت زعامة نِتنياهو، وكسَرت شوكة كبريائه، وأدّت إلى مقتل وإصابة أكثر من 200 شخص، ولكنّ عمليّة الاغتيال هذه أعطَت نتائح عكسيّة تَمامًا.

فريق الاغتِيال تسلّل إلى الأردن بجوازاتِ سفرٍ كنديّة، ومعهُم طبيب خاص حمَل مصل السُّمّ الذي يقضِي على الضحيّة في غُضون أربع ساعات بعد حقنِه به، ولكن الحرس الشخصيّ للسيّد مشعل، وكانوا أبطالًا نشامى، استطاعوا مُطاردة القتَلة واعتِقال اثنين منهم جرى تسليمهما للشّرطة الأردنيّة، بينما لجَأ أربعة من الفَريق “المُوسادي” إلى السِّفارة الإسرائيليّة.

***

نأتي هُنا إلى دور العاهل الأردني الملك حسين الذي هدّد بإلغاء مُعاهدة وادي عربة أوّلًا، وإعدام جميع المُتورِّطين في عمليّة الاغتيال ثانيًا، وإغلاق السِّفارة الإسرائيليّة في عمّان ثالثًا، وكان صارِمًا في موقِفه، الأمر الذي دفع نِتنياهو إلى إرسال مُختَرع المَصل السّام ومعه المَصل المُضاد على ظهر طائرةٍ خاصّة، ممّا أدّى إلى إنقاذ حياة السيّد مشعل في اللّحظات الأخيرة، وبعد ذلك جرى إجبار نِتنياهو على إطلاق سراح الشّيخ الشّهيد أحمد ياسين مُقابل عدم إعدام المُعتَقلين الإسرائيليين والإفراج عَنهُم.

نسوق هذه الرواية، وفي زمنِ التّطبيع العربيّ الذي يعيش ذروته هذه الأيّام، لنُسَلِّط الأضواء على حقيقة راسخة، وهي أنّ أُسلوب الحزم، والتّعاطي بالنِّديّة، مع دولة الاحتلال الإسرائيلي هو الوحيد الذي يُعطِي النّتائج المَطلوبة، أمّا التّذلُّل، والمُسايَرة، وحَب الخُشوم فيزيدها غَطرَسةً وتَجبُّرًا، ولنا في الحالةِ المُهينة التي تعيشها السّلطة الفِلسطينيّة حاليًّا، والتّغوُّل الاستِيطاني، أبرز الأدلّة.

كُنّا نتمنّى لو أنّ السّلطات الأردنيّة سارَت على النّهج نفسه، ورفَضت تسليم حارس السّفارة الإسرائيليّة في عمّان الذي قتل مُواطِنين أردنيين، وحظِي وهو المُجرِم القاتِل باستقبالِ الأبطال من نِتنياهو إلا بعد مُحاكَمته، وعدم الإفراج عنه إلا بعد إطلاق مِئات، وربّما آلاف الأسرى العرب في سُجونِ الاحتِلال.

سحب السّفير الأردني من تل أبيب وعدم عودته إلا بعد الإفراج عن الأسيرين الأردنيّين هبة اللبدي وعبد الرحمن مرعي في سُجون الاحتلال، ورفض العاهل الأردني الملك عبد الله تمديد “إيجار” مِنطقتيّ الباقورة والغمر، وعقد أيّ لِقاء مع نِتنياهو ربّما يأتِي تَعويضًا عمّا سبَق، ونَهجًا جديدًا في التّعاطي مع هذه الدّولة المارِقة، نأمَل أن يستمر وبِما يُؤدِّي إلى إلغاء اتّفاقيّة الغاز المُهينة، فمِن العار أن يَطهُو النّشامى في الأردن طعامهم بغاز فِلسطيني مَسروق وبأسعار أعلى من نظيراتها في الأسواق العالميّة، وأن يظَل مُوَقِّعي هذه الصّفقة طُلَقاء يتمتّعون، أو بعضهم، بعُمولاتِهم المَسمومَة.

***

الأردن يملك أسباب القوّة، مِثلَما يملك شَعبًا ينضَحُ وطنيّة، وتَمسُّكًا بالعقيدة، والحُقوق العَربيّة المَشروعة، ويرفض التّطبيع مع الإسرائيليين بأشكالِه كافّة، ويستطيع أن يستخدم كُل خِياراته المشروعة للحِفاظ على مصالحه، وتنويع مصادر دخله، وأبرزها الانفتاح على سورية وإيران والعِراق وتركيا، وتفعيل السّياحة الدينيّة للأشقّاء من أبناء المَذهب الشيعيّ لزِيارة الأماكن المُقدّسة في الكرك، وتقليص، بل الإلغاء لأيّ وارِدات أو صادِرات أردنيّة عبر ميناء حيفا، كبَديلٍ عن الفتح الكامِل لتِجارة التّرانزيت عبر الحُدود الأردنيّة السوريّة.

لا ننسى في هذه العُجالة أن نتساءل عن الثّمن الذي سيدفعه الفِلسطينيّون مُقابل ما يتردّد بقُوّةٍ هذه الأيّام عن إنشاء مُستشفى أمريكي قُرب الحُدود الشماليّة لقِطاع غزّة، مُتخصّص بالأورام السّرطانيّة، وميناء ألماني عائِم قُبالَة مدينة غزّة، فهل سيَكون هذا مُقابل وقف مَسيرات العودة، وبِدء تَطبيق مُعادَلة التّهدئة مُقابَل التّهدئة؟

نتمنّى أن نسمع إجابةً أو تَوضيحًا من أصحابِ الشّأن في القِطاع لإنهاء حالة الغُموض والبلبلة السّائدة حاليًّا داخِل الأراضي المُحتلّة وخارِجها، فمن حقّنا كمُواطِنين فِلسطينيين أن نعرِف كُل الحقائق، فهل من مُجيب؟