قصور مملكة قطنة الأثرية في شمال شرق حمص.. أسطورة الهندسة المعمارية العالمية

الجمعة, نوفمبر 15, 2019 - 9:45pm

البوصلة

توثق دراسة البنية الإنشائية للقصور الأثرية السورية تميز هندسة العمارة السورية عالميا بأسلوب التصميم وطريقة تشييد المباني وأن الأوابد الأثرية المكتشفة في مملكة قطنة دليل على ذلك.

المؤرخ الدكتور محمود السيد خبير الآثار وقارئ النقوش الكتابية القديمة في المديرية العامة للآثار والمتاحف يوضح في حديثه لـ سانا أن أهمية التراث الثقافي الأثري السوري لا تقاس عالميا فقط بقيمته التاريخية والأثرية بل بتوثيقه أيضا لتطور فن البناء والعمارة حيث تمتلك سورية عدة

مواقع أثرية تشير إلى تطور فن العمارة ومنها أقدم قرية أثرية وخمسة أبراج دائرية في العالم اكتشفت في موقع تل القرامل الأثري شمال حلب وقرية نموذجية ذات طابع معماري متطور في تل الجرف الأحمر وفي تل المريبط أقدم منازل في العالم استخدمت البلاط الحجري وفي موقع تل بقرص جنوب مدينة دير الزور استعمل لأول مرة الكلس بإكساءات أرضية وجدارية بالإضافة إلى اكتشاف أقدم مدينة أثرية في العالم في موقع تل حموكار على الحدود السورية العراقية قرب جبل سنجار تؤرخ بأكثر من 3500 سنة قبل الميلاد وهذا ما يوثق أن هندسة المدن نشأت بسورية وانتقلت منها إلى بلاد الرافدين.

ومن أهم الأوابد الأثرية السورية قصور مملكة قطنة الواقعة شمال شرق مدينة حمص المشيدة في موقع تل المشرفة الأثري وهو أكبر تل أثري وسط سورية مؤرخ بعصر البرونز الوسيط ويقع على حافة هضبة صخرية كلسية منحدرة باتجاه حوض نهر العاصي الخصب حيث اشار قارئ النقوش الكتابية القديمة إلى أن مملكة قطنة البالغ مساحتها 110 هكتارات ازدهرت خلال الفترة الوقعة ما بين 1800و1600 ق.م بفضل توسط موقعها للطرق التجارية في الشرق القديم المؤدية إلى بلاد الرافدين وساحل البحر المتوسط والأناضول وحلب وفلسطين ومصر وهو ما أمن لها موارد مالية ضخمة مكنتها من إنجاز أعمال عمرانية فريدة الطابع والمضمون.

ونحو 1650 ق.م بني قصر مملكة قطنة الملكي شمال المدينة العليا وأحاطت به عدة مبان خدمية وهو مقر السكن الرسمي للملك ومكان إقامة الحفلات البروتوكولية والمقابلات الرسمية وطقوس وشعائر عبادة الأجداد والمركز الإداري الرئيسي في المملكة ومن أكبر القصور الأثرية في العالم وأكبر وأفخم قصر في جميع أرجاء المنطقة السورية الفلسطينية في النصف الثاني من

الألف الثاني ق.م وثاني أكبر قصر أثري في سورية بعد قصر مملكة ماري وكانت مساحته تزيد على 1600 متر مربع وطوله 150 م وعرضه 110 م ويضم نحو 100 غرفة من مختلف المواصفات والأحجام والأشكال واكتشف تحت أقبيته عدد من القبور الملكية وبني القصر من الآجر واللبن والطين وأخشاب أرز لبنان في الزاوية الشمالية الغربية من المدينة العليا وزين برسومات جدارية منفذة بالأسلوب الإيجي.

ويقدم قصر مملكة قطنة الملكي أقدم الأمثلة في العالم على الربط المنطقي بين الطبيعة والهندسة المعمارية في مجال بناء المنشآت الضخمة فقد بني فوق تلة صخرية طبيعية واسعة قليلة العلو موجودة داخل المدينة وترتفع فوق المدينة المنخفضة الشمالية وعلى جبهته الأمامية واجهة صخرية منحوته ملساء مستقيمة ناجمة عن أعمال النحت وفي المكان الذي تراجع فيه الصخر إلى الوراء بني جدار ضخم جدا من قطع الآجر الطيني ارتفاعه 8 أمتار وعرضه 10-12 مترا وفوق المصطبة كان يرتفع حصنان ضخمان تحيط بهما شرفات طويلة وتبرز خلفهما واجهة القصر الخارجية المطلية باللون الأبيض وذات التجاويف المنتظمة وبنيت الغرف فوق جدران الأساسات البالغ ارتفاعها 5-6 م والتي كانت في كامل منطقة القصر وكانت جدران الأساسات مفصولة عن بعضها بواسطة خنادق للصرف مملوءة بالحجارة ومحمية بهذه الطريقة من انتشار الرطوبة الأرضية وتألفت أرضيات القصر من طينة كلسية قاسية أعلى بـ 14 مترا من قاعدة مصطبة القصر.

وفي القطاع الغربي من القصر عثر على أقدم تقنيات العمارة في العالم في استخدام هياكل متينة من الآجر الطيني مبنية على أرض منحدرة نحو الأسفل وعلى امتداد الجدران كانت هناك حشوات من الحجارة كقنوات للتصريف أي لضمان جريان المياه السطحية التي كان من الممكن أن تتجمع بسبب كون الأرض مستوية وتشكل خطرا على الجدران المبنية بآجر ترابي.

من جهة أخرى بنيت في القصر الملكي في قطنة أكبر وأفخم قاعة مسقوفة في العالم وهي قاعة الاستقبال والاحتفالات تبلغ مساحتها 1300 مترا مربعا وهي قاعة مربعة الشكل وفي وسطها قواعد بازلتية بأربعة أعمدة دائرية كانت تحمل أعمدة خشبية ضخمة تحمل سقف القاعة وأسندت القواعد الحجرية للأعمدة إلى حفر الأساسات البالغ عمقها 5 أمتار وعمل المعماري السوري على ملئها بالحصى لتتحمل قواعد الأعمدة حمل الأوزان الكبيرة جدا دون أن تتعرض للانحناء مع الإشارة إلى القاعة زودت بصفحة بازلتية كبيرة محفورة في الأرض كانت تستعمل كموقد لتدفئة القاعة وانارتها وبني في زاويتها الشمالية الشرقية معبد بلت إيكاليم إلهة قصر قطنة.

وفي القصر الملكي في مملكة قطنة نجد أيضا قاعة العرش البالغ طولها 45 مترا وعرضها 14 مترا يدخل للقاعة عبر باب عرضه 6 أمتار مفتوح في المحور الوسطي لقاعة الاستقبال وخلف قاعة العرش يوجد قاعة أكبر وأفخم منها هي القاعة المخصصة للاحتفالات البروتوكولية التي قام في القصر ويبلغ عرضها 20 مترا وكان فيها ممراً طوله 40 مترا يقود إلى المقبرة الملكية للقصر عبر الباب الواقع في الزاوية الشمالية الغربية من القاعة وشرق الممر وجدت الغرف التي قضى فيها الملك حياته الخاصة.

ويصنف حسب المؤرخ السيد القصر الملكي كأفضل القصور الأثرية في العالم حفظا كونه شيد على طريقة البناء على السفوح لذلك بقيت الغرف في القصر سليمة لأنها موجودة في طابق سفحي أو مبنية على سفح مشيد على مصطبة أقل انخفاضا في الطرف الغربي من القصر ويمتاز الجناح الشمالي الغربي للقصر بجدرانه القائمة حتى الزاوية العليا وأبوابه ذات الإطارات الخشبية

السليمة وبقاء أربعة ممرات بين الغرف مازالت مغطاة بقبب سليمة تماما وهو بذلك يكون الجزء الذي بقي في حالة سليمة أكثر من أي جزء آخر.

ويعتبر قصر مملكة قطنا الملكي من الاستثناءات النادرة جدا في العالم لقصر أثري كان يتألف في جناحه الشمالي على الأقل من ثلاثة طوابق ودمر القصر نحو عام 1350 ق.م على أيدي الحثيين.

وعثر في القصر الملكي على مدفن وهو سرداب محفور في الصخر تحت القصر ومؤلف

من أربع حجرات وفيه بعض الجوانب العمرانية الشبيهة بالقبور الملكية المبنية في نفس الفترة الزمنية والمكتشفة في جبيل وعثر فيه على توابيت حجرية ضخمة للدفن ضمت رفات حوالي 40 متوفي من أفراد عائلة واحدة وهم من الطبقة المخملية وفقا للقى الأثرية والمجوهرات النفيسة المكتشفة في التوابيت.

زود القصر الملكي في جزئه الشمالي الغربي ببئر كان المصدر الرئيسي لتزويد القصر الملكي بالمياه وهو أكبر وأكلف بئر عثر عليه في قصر مؤرخ بعصر البرونز في الشرق الأدنى.

وفي المدينة المنخفضة في منتصف الطريق بين القصر الملكي والبوابة الشمالية اكتشف “قصر ملكي ثاني ضخم” بني على طرف الأكروبول على مرتفع صغير بالقرب من البوابة الشمالية للمدينة بهدف مراقبة البضائع والتجار والسكان أثناء الدخول والخروج ويمتد حتى الجزء الشمالي من المدينة المنخفضة وسكن بين القرنين ويتألف من ثلاث باحات كبيرة وأكثر من 65 غرفة وحمامات ومطابخ وقبو يتميز بجدران ملبسة بملاط طيني وكان يتم فيه حفظ السوائل كالخمر والبيرة في درجات حرارة منخفضة وبنيت الجدران من اللبن والطين المدكوك وارتكزت على أساسات حجرية واستخدمت الأخشاب لتقوية الجدران المبنية من آجر طيني غير مشوي وامتازت أرضيات جناح المراسم بالسماكة وقد صنعت من ملاط كلسي شديد الصلابة وتماثل أرضيات جناح المراسم

في القصر الملكي ثم الطينة الكلسية الملونة في بعض الحالات بنفس الأسلوب المينوي المستعمل في جميع أرجاء القصر الرئيسي وتم تلبيس جوانب الأبواب المطلة على الممرات التي تصل بين الغرف بألواح حجرية بازلتية.

ويضم القصر ثلاث باحات كبيرة بارزة تربط أجنحة القصر المختلفة ببعضها ومن خلالها يدخل الضوء والهواء إلى القاعات والغرف المحيطة بها وفي جناح المراسم والاستقبالات الرسمية نجد قاعة العرش وعدد من الغرف المخصصة لتخزين المواد الثمينة وفي الجناح الشمالي أقيمت ورشات حرفية ومستودعات البضائع وغرف الأرشيف.

وبحسب السيد اكتشف “قصر ثالث” وهو القصر الشرقي المبني في أعلى نقطة من الأكروبول في المدينة العليا وتدل الدراسة الإنشائية العمرانية للقصر على وجود أساسات تؤرخ بعصر البرونز الوسيط 2000-1550 ق.م وبقايا مبان تؤرخ بعصر البرونز المتأخر 1550-1400 ق.م.

بني القصر من جدران ضخمة من الآجر الطيني وجدران مبنية من الطين المدكوك طليت بلون أبيض وفي بعض الأماكن تبدو آثار التلوين ويقدر عرض الجدران في ذلك العصر ب50ر3 م وطولها نحو 18م وما بقي سالما اليوم اقتصر على مترين من الارتفاع أي حوالي تسعة مداميك من قطع الآجر ورصفت أرضيات القصر في معظمها بمونة جصية وضعت فوق طبقة من الحصى وبني القطاع الغربي من القصر الشرقي على هياكل من الآجر الطيني مبنية على أرض منحدرة نحو الأسفل وتمثل هذه التقنية شاهدا حيا على تقدم الهندسة المعمارية في سورية والعالم.

يتألف القصر من قاعة المدخل الرئيسي والتي عثر فيها على مثبتين للباب الكبير البالغ عرضه مترين وجناح خاص وجناح إداري يقع في الشرق مؤلف من غرف متعددة الأحجام وغرفة تقع في الزاوية الجنوبية الغربية من الباحة ومطبخ القصر وباحة كبيرة في جزئه الغربي تتألف من ساحة مكشوفة كبيرة مغطاة بأرضية ناعمة مؤلفة من طبقة من الحصى الصغيرة وفوقها طبقة ترابية

مرصوفة ويقود إلى الباحة المدخل الرئيسي للقصر وبقايا شارع معبد بالحصى في جزئه الشرقي ويفصل الشارع القسم الشرقي من القصر عن الأحياء السكنية.

ما سبق يؤكد أهمية الإرث الثقافي الأثري المعماري السوري عالميا في دراسة وفهم المراحل التي مر بها تطور الهندسة المعمارية واسس وقواعد تشييد الابنية والاستفادة من الوسط البيئي في عملية البناء.