هوس السيلفي

لم تأت النرجسية من فراغ.. فقد غرقت كتب علماء النفس بالحديث عنها وبتحليل النفس البشرية يجدها الفلاسفة قابعة في أحد الزوايا اللاشعورية وهي التي تمثل عنوانا للإعجاب بالذات، ولعل أبرز صور تجليها اليوم صور السيلفي .. التي تمارس يوميا بنسب مختلة لدى جميع شرائح المجتمع في سباق كبير بين الشباب والفتيات فيمن يلتقط أكبر عدد من الصور الشخصية، يغرق بها صفحات التواصل الاجتماعي أو يضعها حالات على الوتس أب بمناسبة أو بدون مناسبة في البيت والشارع وأماكن العمل والجامعة والمطعم .. فلا تمر اللحظات السعيدة أو حتى الحزينة من دون التقاط السيلفي.
هذه التسلية التي قد تكون أهدافها بسيطة لا تتعدى عيش اللحظات الآنية والاستحواذ على إعجاب الآخرين ولفت النظر عبر وضعيات مختلفة ومؤثرات الهواتف الذكية، أصبحت بمثابة هوس لدى شريحة كبيرة من الشباب فهناك من يغير بروفايلاته عدة مرات في اليوم الواحد، وهي مؤشر متطور على الأنانية وإبراز الذات، والسعي وراء الشهرة.
لعل السيلفي، استجابة طبيعية للتطور التكنولوجي في طرق التعبير عن النفس، إلا أن الدراسات الحديثة تناولت هذا الموضوع بشكل مختلف، فما نعتبره نحن تسلية أو أمرا طبيعيا وتوثيقا للأوقات التي نعيشها، هو بنظر المراكز البحثية الغربية فرصة ذهبية للتمكن من تحليل الشخصيات ورصد طبائع الشعوب والتغيرات في نمط حياتهم وعاداتهم وبخاصة لدى الأطفال والشباب.
وعندما تصل الأمور لدى البعض بأن ينشر في اليوم الواحد خمس أو ست صور سيلفي فإن ذلك يتعدى الوظيفة الأساسية للصور وهي حفظ الذكريات، والتواصل مع الآخرين، إلى مرحلة الإدمان والهوس في البحث المستمر عن خلفيات وأماكن تجعل من صورهم أكثر غرابة وأكثر تميزا، سعيا وراء الاختلاف... وعليه يجب ألا نلوم علماء التقنيات الحديثة عندما يضعون تصنيفا لموضوع السيلفي ضمن قائمة الاضطرابات النفسية كنوع من الوسواس القهري الذي يعكس إعجاب الشخص بنفسه، ودرجة التنافس والغيرة التي تربطه بأقرانه من خلال التقليد أو التسابق بنشر صوره على مواقع التواصل الاجتماعي.

ميساء الجردي