أغنيتنا العربية بين النجاح التاريخي والجماهيري

الثلاثاء, نوفمبر 5, 2019 - 12:45pm

تمر أغنيتنا العربية بأزمة حقيقية، نتيجة صعود التيار التجاري الاستهلاكي، بمايعني من تغريب وتقليد وإن تخفّى تحت عناوين مضللة، كالتجديد ومواكبة العصر والاكتفاء بالتسلية ومزجاة الوقت، في استعادة للمقولة القديمة التي عفى عليها الزمن "الفن للفن" وأن الفن في نفعه المادي وليس في قيمته الجمالية. 

وفي حقيقة الأمر، لابد من سبر أغوار التاريخ ولو بشكل مختصر حول التحولات والمتغيرات التي لحقت بهذا الفن منذ العصور القديمة الى يومنا هذا، هذه المتغيرات جاءت في أكثر الأحيان بمثابة انقلاب على التيارات القديمة الجامدة التي تكلست اوصالها ولم تعد تستطع التعبير عن التطورات التي حدثت في المجتمعات العربية، هذا ما قراناه وكما تخبرنا به المؤلفات والموسوعات التاريخية في العصرين الأموي والعباسي، حيث قامت حركات جريئة ومتمردة ضد الفنون القديمة التي لم تواكب لغة التجديد والحداثة بمفهومها الكلاسيكي، وهذا لايعني بالضرورة، ان هذه الحركات لم تخلو بالمطلق من محاولات تشويه وجه ووجهة هذا الفن لاسباب سياسية واجتماعية وغيرها، لأن الغناء العربي القديم كانت تتحكم فيه سلطات نقدية وانتاجية واعلامية خاصة، ولم يكن للتيار الاستهلاكي سوى بعض الهوامش الضيقة من المشهد السائد آنذاك، وكان هذا الغناء يعتمد بشكل اساس، على قواعد وأصول وتقاليد عظيمة ارتبط بشكل مهم بالشعر العربي - الصوت - كما كان يطلق عليه، وكان التنافس كبيرا بين أعلامه في سبيل نيل رضى الخلفاء والأمراء وعلية القوم، هذا يفسر الى حد كبير ندرة وقلة الغناء الشعبي في هذه العصور، التي كان يبحث اغلب مغنيها على المنافسة المادية والتكسب من وراء هذا الفن الصنعة، اي المنفعة المادية وليس الجمالية، يخبرنا الاصفهاني وغيره من مؤرخين، كيف أن هؤلاء الخلفاء كانوا يغدقون على المغنين الأموال والذهب وحتى اقتطاع الأراضي والملابس الفاخرة المذهبة وغيرها، وقد بقي الأمر كذلك الى حد ما حتى في فترة الاحتلال العثماني للبلاد العربية، الى ان قيض لهذا الفن، مبدع كبير، تمرد على لغة الجمود وحالة السكونية القاتلة التي اصابت الغناء العربي في مقتل هذا الشيخ المعمم الذي قاد موسيقانا واغنيتنا الى ذرى جمالية وتعبيرية غير مسبوقة. إنه "سيد درويش" الحداثي الأول في موسيقانا العربية، الذي قدم لهذا الفن منجز عظيم، في التحرر من اللغة القديمة وفي نثر بذور الحداثة والتجديد العقلاني المبني على العلم والمعرفة، بعيدا عن الفوضى والعشوائية والتقليد الأعمى، في تربة وطين هذا الفن الذي أخلص له ولهويته العربية الأصيلة حتى آخر رمق. وتلقف تلامذته ومريدوه، الرسالة حيث أكملوا المسار والمسير الابداعي ليحققوا نهضة موسيقية عظيمة، ارتقت فيها الأغنية العربية الى مكانتها الثقافية التي تستحق بفضل الرؤية المنفتحة لهؤلاء الرواد الذين منحوا هذا الفن طاقات تعبيرية وجمالية غير مسبوقة، ليصبح الغناء او "المغنى" حياة الروح وبهجتها، كما كتب المبدع الخالد "بيرم التونسي" في التعبير العميق عن قضايا الوطن والانسان العربي "دينياً ووطنياً وعاطفيا، ولم يكن يدخل هذا المجال النبيل إلا من يمتلك الموهبة والعلم والمعرفة كما نرى على سبيل المثال في ابداعات" الموسيقار محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وأسمهان، وليلى مراد، وفايزة احمد ونجاة الصغيرة وسعاد محمد، والموسيقار فريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، والرحابنة وفيروز ووديع الصافي، والكبير صباح فخري. والراحل محمد خيري، وصبري مدلل وناظم الغزالي، وطلال مداح، وقائمة طويلة من المبدعين الرواد الذين حافظوا بأمانة واخلاص على هوية الغناء العربي وتقاليده العظيمة، أما ماحدث لاحقا مع صعود موجات التقليد والتجديد المزيف بما كان يسمى آنذاك "أغاني الفرانكو آراب" فكان بمثابة بداية النهاية لهذا الفن العظيم. حيث صعدت تيارات التقليد والتغريب الى مكانات لم يتخيلها احد بسبب رحيل هؤلاء الرواد بماترك فراغا هائلا في المشهد المعاصر، وبسبب دخول التقانات الوافدة واستسهال العملية الفنية، الى ان وصلنا الى العولمة وثقافتها الوحيدة المزيفة التي تريد "أمركة العالم "وجعله تابعا لسياستها واقتصادها والاندماج الأبله، في منظومتها الاعلامية، التي تكرس النجومية والنجاح الجماهيري العابر الزائل، في صناعة ضخمة للنجوم وصناعة الإقبال عليها كمثال للتحضر ومواكبة العصر، ولانحتاج بالتأكيد الى سوق الأمثلة على هذا النجاح الجماهيري الذي لايمكث في الأرض، لأنه مبني على قيم مادية وحسية رخيصة، وليست جمالية وذوقية رفيعة، وهذا هو الفرق بين النجاح التعبيري التاريخي الذي حدث بدايات ومنتصف القرن الماضي، وبين هذا النجاح الخلبي، الذي تعممه وسائل الاعلام بمختلف قنواتها ووسائطها. يقول المفكر والشاعر "أدونيس" : ظاهرة الغناء مثلاً. المغني في هذه الظاهرة (وأبدأ به لأنه يستقطب "جمهوراً كبيراً") يغني غالباً ب"وجهه" ب"حركاته" ب"قامته" أو ب"سياسته" و"موقعه" ولايجئ "صوته" إلا في آخر اللائحة بدلاً من أن يكون "الصوت" المبدأ والمعيار، يصبح في آخر الملحقات والمتممات" التعميم هنا لايلغي الاستثناء" مع ذلك تضُفى عليه صفة المغني "الكبير" بفعل جمهوره" الكبير" وهذا إذا كان ذكراً، فكيف إذا كان أنثى؟ الجمهور؟ لايجوز، في أية حال، ان نتخذ من هذه الكلمة معياراً نقيس به "القيمة "الفنية، الجمهور، خصوصاً في إطار الثقافة العربية السائدة، مفهوم آخذ في إلغاء الفن والقيم الفنية وسلم القيم.