الأسد: نعم التقينا بالأتراك.. وترامب شفاف ولكن.....

بسبب أوضاع العراق ولبنان والعديد من ساحات المنطقة و"ساحاتنا" الإعلامية، مرّ حديث الرئيس السوري بشار الأسد مرورا عابرا في اعلامنا العربي، لكن من يعود الى تفاصيله، قد يجد أنه أهم حديث أدلى به منذ بداية الحرب السورية، حيث أنه لا يؤكد فقط يقينه باستعادة كل شبر من الدولة السورية، وانما يكشف الكثير عن العلاقة مع تركيا وروسيا وأميركا وجامعة الدول العربية.   

ليس الرئيس السوري بشار الأسد عادة من النوع الذي يظهر قلقه أو توتره حتى في أقسى مراحل الحرب السورية، لكنه في حوار التلفزيوني الأخير مع الزميلين السوريين اليسار المعلا واياد خلف، بدا مُرتاحا بالشكل والمضمون، وواثقا من “عودة الدولة الكاملة” الى كل المناطق السورية، مؤكدا ان لا تنازلات عن الأساسيات في الاجتماعات الدستورية الجارية حاليا في جنيف.

 كان لافتا للإنتباه ما كشفه الرئيس الأسد عن لقاءات  أمنية عديدة مع الاتراك، فقال: “طبعاً حصلت لقاءات ثلاثية بوساطة روسية وبوجود روسي، ونحن أصررنا على الوجود الروسي لأننا لا نثق بالتركي، كي يكون هناك شاهد(ثالث)”، موضحا ان المستويات المختلفة في هذه اللقاءات “كانت أمنية”. بضعة لقاءات منها – ربما لقاءان أو ثلاثة – حصلت عند نقطة كسب داخل الحدود السورية وتحديدا قرب الحدود المشتركة بين البلدين، وثمة لقاء أو أكثر على أرض روسيا، خلال العامين الماضيين، “ولكن لم تكن هناك أية نتائج حقيقية”، على حد تعبير الأسد.

لم يستبعد الرئيس السوري في الحوار إحتمال اللقاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قائلا :”لن أتشرف بمثل هذا اللقاء وسأشعر بالاشمئزاز، ولكن المشاعر نضعها جانباً عندما تكون هناك مصلحة وطنية، إذا كان هناك لقاء سيحقق نتائج”، رافضا على نحو قاطع تشبيه تركيا باسرائيل التي “لا نعترف بشرعية وجودها”، أما الشعب التركي، “فهو شعب جار.. وتركيا دولة موجودة وهي دولة جارة.. وفي داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية التركية، ثمة من هم ضد أردوغان”.

بدا الرئيس السوري واثقا تماما بتحالفه الاستراتيجي مع روسيا وإيران، قال إن المبادئ الروسية “لم تتغير”، و”يجب التفريق بين الأهداف النهائية والاستراتيجية والتكتيك”، شارحا بالتفصيل كيف لعب الروس  دورا مهما في اخراج المسلحين بالتفاوض من مناطق مهمة وفي انتشار الجيش السوري شمالا وكيف “يلجمون” الاندفاعة التركية ومن خلفها المخطط الأميركي.

حديث الأسد الذي جاء بعد شكر دونالد ترامب لسوريا وروسيا وتركيا والكرد على دورهم في القضاء على زعيم تنظيم الدولة الإسلامية ابي بكر البغدادي، غير أن الرئيس السوري نفى تماما ان تكون لسوريا أية معرفة او علاقة بالأمر المشكوك فيه، لا بل نفى أي تواصل مع أية مؤسسة أميركية. وهذه النقطة مهمة على الأرجح ليس فقط للتخفيف من وقع الدعاية الاميركية ولكن ايضا لتطمين حلفائه الروس.

قال الأسد :”أنا أؤكد لك أن الأميركي سيخرج وحده، ولن تكون لديه فرصة أو قدرة للبقاء في سوريا. هذا ما أعتقد أنه الحل السليم”

كلام الرئيس السوري عن اميركا، كان لافتا للإنتباه أيضا في مسألتين: الأولى، قوله ان كلام ترامب عن هذه الدول والجهات المساهمة في قتل البغدادي “هو اعطاؤها (العملية) المصداقية”، مشيرا الى ان سوريا تكافح الإرهاب وليست بحاجة لهذه المصداقية”، والثانية، وصفه ترامب بـ”الخصم الشفاف”، برغم عدم وجود فرق في الممارسات الاميركية بين رئيس وآخر. وإذ استبعد الأسد الحرب مع “دولة عظمى”، أشار الى أن شروط  “مقاومة” المحتل لم تكتمل، وشدد على ان استعادة وحدة السوريين كفيلة بإجبار الاميركي على الخروج لاحقا، وقال الأسد :”أنا أؤكد لك أن الأميركي سيخرج وحده، ولن تكون لديه فرصة أو قدرة للبقاء في سوريا. هذا ما أعتقد أنه الحل السليم”.

الأسد الذي كان يتحدث بمنطق الرئيس القابض على كل مستقبل بلاده، مهّد الطريق لاحتضان الكرد فقال “الاكراد كانوا بمعظمهم دائما على علاقة جيدة مع الدولة السورية”، أما قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فقد لعبت روسيا دورا مهما في دفعها للاتفاق مع الجيش السوري، وجزم بأن الهدف النهائي “هو العودة إلى الوضع السابق، وهو سيطرة الدولة كاملة”. 

 واذا كان الأسد استخف بخروج سوريا من جامعة الدول العربية وما يحكي عن اعادتها حاليا، فقد وجه رسالة واضحة الى الغرب بشأن مستقبل الإرهابيين الذين جاؤوا من بلدانه إلى سوريا. تساءل بعد استعادة ادلب “الى أين سيخرجون؟ ان لم يخرجوا الى تركيا سيكون امامهم خياران، اما العودة الى حضن الدولة وتسوية الاوضاع او الحرب” . هذه نقطة مهمة جدا ستدفع عاجلا أم آجلا الدول الغربية لتظهير محاولاتها التفاوضية مع دمشق بغية عدم إعادة هؤلاء الإرهابيين الى بلادهم، بعد ان سعت مرارا للتفاوض سرا. فهو لم يقل أبدا سنعيدهم الى حيث أتوا خلافا لما يقوله اردوغان.

اثارة مسألة الإرهابيين هادفة الآن، أولا لان الأسد يشترط إعادة العلاقات الدبلوماسية مع أي دولة تريد التفاوض بشؤون الأمن، وثانيا لأن هذا من شأنه تخفيف الضغوط الغربية على سوريا في التفاوض حول مستقبل اللجنة الدستورية والدستور والانتخابات والوضع الاقتصادي وغيرها، برغم ان هذه  الضغوط ربما ما عادت تنفع كثيرا بعد الحسم العسكري في معظم المناطق السورية.

 في مستقبل اللجنة الدستورية، كان الأسد جازما ايضا بأنه لم ولن يتنازل عن الأساسيات، وبأن جنيف انتهى وما عاد ثمة تفاوض سوى على أساس “سوتشي”، وان “السيادة السورية تعبر عنها الدولة السورية فقط، والانتخابات التي ستحصل ستكون من الآلف الى الياء تحت اشراف الدولة السورية.. أما اذا كانوا يعتقدون انهم سيعودون الى عصر الانتداب، فسأقول لهم، هذا لن يكون سوى في احلامكم”.

لا شك أن الأسد الذي استعاد بالقوة مع حلفائه معظم الأراضي السورية، يشعر وأكثر من أي وقت مضى، بان المستقبل سيكون لمصلحته. فهل يغالي؟