مشهد شمال شرقي سورية.. توافقات استراتيجية ...

تطورات متسارعة في تفاصيل المشهد السوري، أفضت إلى سلسلة من الاتفاقات الاستراتيجية، ويبدو واضحاً أنّ مروحة الانتصارات السورية، لم تعد مقتصرة على المسارات العسكرية فحسب، بل الانتصارات اتسعت سياسياً، 

لتطغى على جملة التجاذبات التي أرخت بظلالها طويلاً على شرق سورية. وبعد أن كان الكردّ في صلب هذا المشهد، باتوا اليوم خارج أيّ تفاهمات، حتى أنّ الورقة التي تاجروا بها خلال سنوات الحرب، قد احترقت بتأثير أميركي تركي، فلم يعد لديهم أيّ وزن سياسي أو عسكري، لتأتي ما سمّيت عملية نبع السلام وتزيد في طينهم بلة، وتكشف اللثام عن مدى غرقهم في المشروع الأميركي، والذي لم يكونوا في صلبه سوى أداة لتمرير المشاريع الأميركية.

المستجدات الأخيرة لجهة الاتفاق الروسي ـ التركي، أسّست لمشهد سيتمّ بموجبه فرض السيطرة السورية على كامل جغرافيا الشمال الشرقي من سورية، لأنّ مضمون هذا الاتفاق، سيؤسّس لتفاهمات طويلة الأمد، وسيرسّخ قوياً قدرة الدولة السورية على بلورة أيّ اتفاق وفق قواعد الميدان. نتيجة لذلك، بات واضحاً أنّ روسيا باتت وفق العديد من المعطيات التي تبدأ بهندسة الحلّ السياسي في سورية، ولا تنتهي بقدرة روسيا على احتواء كافة الأفرقاء، وبلورة حلّ يناسب الجميع، لكن الجزئية السورية في سياق الاستراتيجية الروسية ثابتة لا تتغيّر في أيّ مناخ تحاول تركيا او الولايات المتحدة إضفاء مشهد ضبابي على تفاصيله، حيث انّ روسيا وعلى مدى سنوات الحرب على سورية، لم تتجاوز يوماً معادلة السيادة السورية، وهذا ما أكده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اتصال مع الرئيس الأسد، عقب الاتفاق مع أردوغان في سوتشي، حيث أكد بوتين على وحدة وسيادة سورية أرضاً وشعباً وبأن أيّ اتفاق بين روسيا وتركيا سيركز على محاربة جميع أشكال ومظاهر الإرهاب وتفكيك أيّ أجندات انفصالية على الأراضي السورية.

ضمن ذلك، فقد بات مشهد الشمال السوري يسير في نسق سوري وروسي، والتحوّلات التي باتت ترتب أوراق المشهد السوري، للخروج من الحرب وفق معادلة السيطرة السورية والتحكم الروسي، فالإدارة الأميركية أعطت موافقات ضمنية لموسكو بغية ترتيب أوراق الحلول، وحلحلة التناقضات بين دمشق وكردها من جهة، وبين دمشق وأنقرة من جهة أخرى، إضافة إلى ضبط التوترات بين أنقرة والكرد. في هذا المشهد يبدو واضحاً أنّ مفاتيح التطورات باتت بيد موسكو، وبات جلياً انّ هندسة الحلّ السياسي ستكون حكماً بإخراج روسي، لكن ستبقى دمشق في هرم أيّ حلّ.

الاتفاق الروسي التركي في سوتشي، وضع حداً للتحركات التركية شمال شرق سورية، ووضع في المقابل سداً سياسياً وعسكرياً لمنع إكمال التوسع التركي شرقاً وغرباً على طول الشريط الحدودي بين البلدين، وفي عمق 30 كيلو متراً التي أعلن أردوغان أنها هدف العملية العسكرية التركية. وبناء على هذه التوافقات الجديدة أعلنت تركيا رسمياً انتهاء عملية نبع السلام خاصة أنّ الوحدات الكردية انسحبت طوعاً من المناطق المشمولة بالاتفاقات التركية مع الولايات المتحدة وروسيا.

في المحصلة، من الواضح أنّ تفاصيل المشهد في شمال شرق سورية، بدءاً من قرار ترامب بالانسحاب من سورية، وإعطاء الضوء الأخضر لتركيا لغزو مناطق الكرد، وما تبعه من وساطة روسية بين دمشق والكرد، أسفرت عن دخول وانتشار واسعين للجيش السوري في شمال شرق سورية، وصولاً إلى الاتفاق الروسي التركي، كلها معطيات أفضت وستفضي إلى تغيّر خارطة السيطرة على شمال سورية على الصعيدين السياسي والعسكري. هذه التحوّلات التي يمكن وصفها بالاستراتيجية، أدّت إلى اختلال في موازين القوى لصالح دمشق، خاصة أنّ الأسد وزيارته إلى خط النار في إدلب، ستؤدّي حكماً إلى افتتاح ملعب الشمال السوري، وسيكون الهدف الأول والأخير تطهيره كاملاً من أيّ تواجد غير شرعي، وهذا بات قريباً…