سورية.. ساحة لكباش القدرات الأميركية الروسية .....

حدثين مهمين شهدتهما الجغرافية السورية في أقل من أسبوع وشكلا محوراً أساسياً وصورة مصغرة من أشكال الكباش وإظهار القدرات للقوى الكبرى روسيا وأميركا، في إثبات وجودها ونفوذها كتعبير عن تأثيرها في إدارة الأزمات الدولية، 

ومحاولة كل منهما من احتواء المواقف وتغيير الاصطفافات وتوظيف الظروف والأحداث في تعديل التوجهات والسلوكيات والتكتيكات التي تشكل محور الإستراتيجيات المرسومة في إطار الصراع الدائر مابين الحفاظ على الهيمنة والأحادية القطبية التي تعتبرها واشنطن أنها من أبرز حقوقها، والرؤية الروسية المطالبة بالتعددية الدولية القائمة على الشراكة الإستراتيجية لأحداث تعاون سياسي واقتصادي وعسكري وأمني وغيرها من المقومات التي يتطلبها النظام الدولي الجديد.

الحدث الأول تمثل في اتفاق «سوتشي» الأخير الذي توصل إليه الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب أردوغان، والذي شكل تفوقاً روسياً برز في خريطة الطريق التي حددتها بنود الاتفاق لاحتواء الأطماع التركية بشكل أساسي رغم أن بعض نقاطه يمكن وصفها بأنها غامضة وحمالة أوجه ويمكن تفسيرها في أكثر من اتجاه، ومع ذلك فإن موسكو استطاعت أكثر الإمساك بزمام المبادرة في مواجهة التكتيكات الأميركية في الشمال السوري والهادفة لخلق فوضى وصراع مستدام ومستنزف لجميع الأطراف.
ففي الوقت الذي يعتقد ويراهن البعض به على نجاح واشنطن في تجديد التنسيق والتعاون المشترك مع أنقرة لخلط الأوراق في الشمال الشرقي من سورية عبر إعادة طرح مشروع «المنطقة الآمنة»، جاء اتفاق سوتشي ليثبت حقيقة قدرة «تأثير الدب» الروسي في احتواء تركيا انطلاقاً من تعميق العلاقة على المستويين الشخصي للرئيسين بوتين وأردوغان، والكلي القائم على عمق المصالح المشتركة الآخذة في التصاعد، وهذا برز بشكل واضح وجلي في الوجه الآخر الاقتصادي للاجتماع من خلال الاتفاق على التعامل بالعملات الوطنية للبلدين والتأكيد على استكمال بناء خط السيل الجنوبي وتسريع تنفيذ مشاريع المحطات الكهرذرية التي تبنيها روسيا في تركيا.
أما فيما يتعلق بالتأثير العسكري والأمني والسياسي والخاص بالملف السوري والذي بدوره يشكل جزءاً من الصراع الجيوسياسي في المنطقة، فإنه تبلور في النقاط التالية:
1. الاتفاق الروسي التركي جاء من حيث الشكل والمضمون أكثر تناغماً ووضوحاً من مثيله التركي الأميركي، فالبنود العشرة التي تم التوصل إليها تبدو أنها متدرجة ومتكاملة وأظهرت قدرة روسيا للتأثير الفعلي على جميع الأطراف بما في ذلك حلفاء واشنطن، كما أن بنود الاتفاق تم إعلانها من قبل وزيري الخارجية ضمن المؤتمر الصحفي للرئيسين وليس بشكل منفصل ومن مكانين مختلفين كما في اتفاق نائب الرئيس الأميركي مايك بينس مع أردوغان، فضلاً عن أن 150 ساعة والتي اتفق عليها كمدة لوقف إطلاق النار يمكن قراءتها كرسالة روسية في التفوق على التأثير الأميركي في استقطاب تركيا.
2. الاتفاق أوقف التمدد والعدوان التركي على الشمال السوري، وإن تخلله بعض الخروقات من تركيا وميليشياتها، لريثما يتمكن الجيش السوري من الوصول والانتشار ونشر نقاط تمركزه على كامل الحدود، وبالتالي استطاعت موسكو كسب الوقت لمصلحة دمشق سواء لسحب ذريعة تركية بالعدوان أو لمنع حصول صدام مباشر مع الجيش السوري.
3. أشار الاتفاق في بنده الرابع بالتأكيد على أهمية اتفاقية أضنة وأن تقوم روسيا بتسهيل تنفيذ الاتفاق في الظروف الراهنة، وهذا يعني أن تلعب روسيا دوراً تأثيرياً بما تمتلكه من علاقات مباشرة وعميقة مع الجانبين من ناحية ومن ناحية ثانية أن ترعى اللقاءات الأمنية والعسكرية، المباشرة وغير المباشرة، لتطبيق بروتوكول أضنة وإدخال بعض التعديلات عليه، وفي الجانب الثالث قطف ثمار مخرجات ونتائج الوصول لإعلان العودة لتطبيقه والتي تبتغيه موسكو، لأن ذلك يعني وقف تقديم الدعم للمجموعات المسلحة وانسحاب قوات الاحتلال التركية وعدم دخول للأراضي السورية إلا بموافقة ومشاركة القوات الحكومية وفق النص الحرفي لبروتوكول 1998.
وبذلك تكون موسكو رسخت نموذج حل الأزمات من خلال التفاهمات والمصالح المشتركة ووفق مبادئ القانون الدولي.
4. دق المسمار الأخير في نعش المشروع الأميركي الهادف نحو الفوضى والصراع متعدد الأطراف، والمشروع الانفصالي لـ«قسد»، والمشروع التركي لاحتلال كامل الحدود السورية التركية شرق الفرات بطول 488 كم.
فبالرغم من أن الاتفاق غير ملزم ويمكن انهياره نتيجة التأثير المعطل لواشنطن ولم تظهر ملامح فترة ما بعد انتهاء الهدنة وأعلن المحافظة على الوضع القائم كما تضمنه البند الثالث فيما يتعلق بالمنطقة الممتدة من رأس العين لتل أبيض في لبس قانوني قد يشكل تجاذباً خلال الفترة القادمة، إلا أنه أظهر القدرة التفوقية التأثيرية في التنفيذ لروسيا في صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية والتي تمثل صلب الحدث الثاني والمتضمن إعلانها مقتل زعيم تنظيم داعش «أبو بكر البغدادي».
هذا الإعلان هو ليس الأول من نوعه، ولكنه يظهر وبشكل لا جدل فيه أنه محاولة من قبل الإدارة الأميركية عموماً ومن الرئيس دونالد ترامب بشكل خاص لتسجيل انتصارين على صعيد السياستين الداخلية والخارجية، وهذا يبرز في الملاحظات التالية:
أولاً: التوقيت السياسي والموقع الجغرافي: فالشق الأول لا يمكن فصله عن التنصل والتخلص من التحديات والحروب المتعددة على الصعيد الداخلي والتي يواجهها الرئيس ترامب سواء فيما يتعلق بالتوجه نحو عزله على إثر اتهامه بالضغط على أوكرانيا لنشر فضائح جون بايدن، أحد منافسيه من الديمقراطيين، أو بسبب قراره بالانسحاب من سورية واتهامه بالتخلي عن حلفائه الأكراد وبالتالي سيسعى ترامب لتعظيم وتهويل إعلان القضاء على زعيم داعش لتوظيف هذا الإنجاز الذي لا يتعدى حدوده الإعلامية، للتخلص من جملة الضغوط عليه وتحسين تموضعه الانتخابية من خلال تقديم نفسه بطلاً قومياً على الصعيد الداخلي ومنقذاً للبشرية على الصعيد الخارجي على غرار كل من أسلافه من باراك أوباما وجورج بوش الابن، في استثمار ذلك للوصول لولاية ثانية.
أما الشق الثاني والمتعلق بالمكان الجغرافي الذي شهد مقتل البغدادي والواقع في بلدة باريشا بريف إدلب، ربما يكون هدفاً أميركياً بحد ذاته ودلالة للإيحاء بأن واشنطن وقواتها العسكرية والاستخباراتية غير معنية بأي التزام أو اتفاق تخضع له المناطق في سورية وربما في ساحات اشتباك مغايرة تخضع للنفوذ الروسي وضمن إطار عملها.
ثانياً: شكر ترامب كلٌ من روسيا وتركيا والعراق وسورية والكرد للتعاون بإنجاح هذه العملية وفق وصفه، يوحي بأن واشنطن تريد تصوير موقفها التأثيري إعلامياً على جميع الأطراف في خدمة أهدافها وحصد نتائجه، وهذا ما نفته موسكو وحاولت تكذيبه في بيانها المشكك بالعملية والنافي بعلمها.
ثالثاً: نتائج هذه العملية على محورين، المحور الأول مضمون رسالة ترامب «بالحصة» التي أشار إليها ورغبته في الحصول عليها من النفط السوري بالتفاوض أو بالقوة العسكرية بقوله: «أحد ما قد يدعي أن النفط من حقه وعلينا في هذه الحالة أن نتفاوض للوصول إلى صفقة إن وجدناها عادلة أو نمنعهم بشكل سريع» وهي قد تحمل مدلولاً إلى جانب سرقة النفط السوري برغبة واشنطن بتسوية وشراكة وحصة اقتصادية مع موسكو في إعادة الإعمار لذلك سمى شركة «إكسون موبيل» الأميركية والتي لموسكو وقطر حصة بها.
أما النتيجة الثانية والتي تغاضى عنها ترامب في عنجهيته والتي قد تقدم عليها قيادات الصف الوسط من تنظيم داعش بعد اختيار زعيم جديد لها، هي رسم وتحديد جزء من معالم أهدافها القادمة نحو استهداف القوات والمصالح الأميركية في المنطقة بما يقلب الطاولة على ترامب وتأتي الرياح بما لا تشتهي أشرعة سفنه، فضلاً عن أن تبني هذا الإنجاز أميركياً لن يخفي حقيقة أن الصراع في سورية يصب في مصلحة خصومه.