ماذا بعد اتفاق بوتين أردوغان؟ ....|

في السياسة وإستراتيجياتها لا مجال للمصادفات، وسوء التقدير، وخاصة في حرب ذات طابع مفصلي كالحرب على سورية، والتي ستدخل بعد شهور عدة عامها العاشر، نعم أعوام تسعة غيرت تاريخ المنطقة والعالم، نظراً لشراسة هذه الحرب، وحجم القوى المنخرطة فيها وتداعياتها المتوقعة محلياً وإقليمياً ودولياً.

 

قمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب أردوغان التي عقدت أول أمس الثلاثاء في سوتشي، كانت مهمة للغاية، فقد شددت على وحدة سورية أرضاً وشعباً، وعلى إخراج المجموعات الانفصالية بعمق 30كم من قبل القوات الروسية والسورية، بدءاً من منتصف نهار (أمس) الأربعاء مع دوريات مشتركة روسية تركية إلى الغرب والشرق من منطقة الغزو التركي باستثناء مدينة القامشلي، وبعمق 10كم.
اللافت أيضاً أن الطرفين الروسي والتركي في البند 4 أعلنا تأييدهما لاتفاقية أضنة، وعمل روسيا على تسهيل تطبيق الاتفاقية في ضوء الظروف الحالية، والحقيقة أن هذا البند مهم للغاية لأن ذلك يفترض توسيع هامش الاتفاق أو مذكرة التفاهم، وهو المصطلح الأصح قانونياً، من خلال تشميل التعاون ضد كل أنواع المنظمات الإرهابية، إذ إن أضنة ركزت آنذاك على إرهاب منظمة «حزب العمال الكردستاني»، وأما الآن فهناك منظمات عديدة إرهابية مثل داعش وجبهة النصرة وغيرها الكثير من النماذج التي خرجت خلال هذه الحرب الفاشية في محافظة إدلب ومناطق سورية أخرى، إذ لا يمكن النظر لمكافحة الإرهاب بعين واحدة بل لابد من المواجهة بنظرة عميقة وليست أحادية الجانب، حيث يعمل الجانب التركي على التركيز دائماً على إرهاب «حزب العمال الكردستاني» ويتناسى أولئك القتلة الذين أُتي بهم من كل أصقاع الأرض لقتل السوريين ونهب مواردهم وتدمير أمنهم واستقرارهم.
يبدو أن هناك مسعى روسياً لجمع الطرفين السوري والتركي مبدئياً على المستويين العسكري والاستخباري لبحث الكثير من التفاصيل والهواجس، تمهيداً لتوسيع اتفاق أضنة بحيث يشمل قضايا مكافحة الإرهاب بشكل شامل وأعم بما يحقق مصلحة البلدين الجارين، وخاصة أن سورية ليست هي الطرف الذي أخل باتفاق أضنة، وليست هي الطرف الذي أدخل عشرات آلاف الإرهابيين من مختلف الجنسيات ليتحولوا إلى مصدر قلق لسورية والإقليم والعالم، وهو أمر أصبح يشكل تحدياً حقيقياً لا يمكن اللعب به كورقة للمساومة السياسية.
تقديرنا أن موسكو سوف تعمل على إنجاز هذه اللقاءات المباشرة السورية التركية، وهي أكثر من ضرورية من أجل البدء بفتح ملفات كثيرة لدى السوريين بما في ذلك ملف عودة اللاجئين، والتوقف عن تسييس هذا الملف، واستخدامه ورقة ضغط ضد سورية، وهو ما كشف بشكل واضح أنه ليس ملفاً إنسانياً كما تحدث كثيرون عن ذلك، إنما هو ملف سياسي بامتياز، وخاصة أن هذا الملف تحول إلى حالة ضاغطة جداً على الداخل التركي وتسبب بخسائر كبيرة للرئيس التركي رجب اردوغان وحزبه، ظهرت جلياً في الانتخابات البلدية الأخيرة.
من الواضح تماماً أن بوتين يعمل مع أردوغان خطوة خطوة، ويؤكد في كل مرة على وحدة سورية أرضاً وشعباً، ليكررها أردوغان على الملأ بغض النظر عن صدق نياته من عدمه، لكن الواضح تماماً أن إمكانية استمرار حكومة أردوغان باللعب على الحبال قد انتهت وأن طريق الحل قد أصبح واضحاً بموجب اتفاق 22 تشرين الأول الجاري بين بوتين وأردوغان، والذي وقع عليه إضافة للرئيس وزراء الدفاع والخارجية والداخلية ورؤساء أجهزة المخابرات وهي الجهات ذات العلاقة بالجانب التنفيذي له.
يبقى أمر مهم آخر وهو أن هذا الاتفاق لم يشمل أو يوضح مصير إدلب، إلا ضمن إطار العبارات العامة التي تناولت مكافحة الإرهاب، ومسار أستانا، والتركيز على الحل السياسي وعمل اللجنة الدستورية، لكن إدلب تدخل ضمن إطار مكافحة الإرهاب باعتبار أن التنظيمات المنتشرة فيها هي تنظيمات إرهابية ومصنفة على أنها كذلك.
يبدو واضحاً أن الزيارة الشجاعة واللافتة للرئيس بشار الأسد إلى نقطة متقدمة من مناطق المعارك في إدلب أرسلت رسالة مكشوفة وعلنية للإرهابيين وداعميهم، من أن إدلب على الطريق للتحرير وأن الأولويات تحددها التطورات الميدانية والعسكرية، وليس أهمية هذه المنطقة أو تلك، فكل شبر ومنطقة ومحافظة سورية هي بالأهمية نفسها، وهي في قلب ووجدان الرئيس الأسد، ولكن الأمور تترتب وفقاً للتطورات الحاصلة.
أما الجانب الآخر لزيارة الرئيس الأسد فهو إفهام أردوغان أن إدلب هي بوابة الخلاص من الفوضى والإرهاب، وأن محاولات إقامة مناطق آمنة أو غيرها لن تكون مقبولة إطلاقاً، وما على الجانب التركي سوى ترتيب أوراقه للانسحاب النهائي من هذه الأرض التي احتلها، وإذا أضفنا إلى كل هذه الرسائل فإن الأهم هي الرسالة لأهل إدلب من أن الجيش العربي السوري قادمٌ لتحريرهم من دنس الإرهاب وداعميه، والقضية قضية وقت، والواضح أن معنويات أهلنا هناك ارتفعت كثيراً بعد متابعتهم لزيارة الرئيس الأسد إلى تلك المنطقة.
يبدو جلياً أن الأمور تتجه نحو نهايتها في سورية لا أقصد غداً أو بعد غد، ولكن ليس كلاماً فارغاً ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل فترة من أن الحرب في سورية تتجه نحو النهاية، وإشارته بعد قمة بوتين أردوغان إلى أن العملية العسكرية التركية شارفت على نهايتها، وأن الأمر سيتوقف على تطبيق الاتفاقات، وهو ما نأمل أن يتحقق وخاصة أننا اعتدنا مناورات الرئيس التركي والتي أعتقد أنها وصلت لنهايتها.
الملفات بين سورية وتركيا معقدة كثيراً، والجرح النازف في الجسد السوري غائر وعميق، ولكننا نؤمن إيماناً عميقاً بقدرة جيشنا البطل، ودعم حلفائنا الروس والإيرانيين، وحكمة الرئيس الأسد الذي يقود معارك عسكرية وسياسية ودبلوماسية لإيصال سورية إلى بر الأمان، وهو ما يفرض علينا جميعاً الوقوف والالتفاف حوله دعماً ومساندة ووفاءً منا جميعاً.
قمة بوتين أردوغان رافقتها إشارات اقتصادية مهمة، فالرئيسان اتفقا على استخدام الروبل والليرة التركية بدلاً من العملات الأجنبية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، كما تم الاتفاق على إيجاد آلية مالية لتشبيك النظام المصرفي في البلدين، كما اتفقا على استمرار التعاون التام بالنسبة لصواريخ «إس 400» ومحطة الطاقة النووية التي ستبنيها روسيا، ومشروع السيل التركي للغاز.
إن ما يجب أن يفهمه ويدركه الرأي العام السوري أن أعداء سورية يعملون على تشويه أي اتفاق بشأن سورية، ويعملون على شرحه بالطريقة التي تناسبهم، ولكن الوضوح مطلوب هنا، وأهمه أن ذلك كله يجب أن يؤدي لوقف العدوان التركي، وانتشار الجيش العربي السوري على الحدود بأكملها، وتسليم المدن والبلدات كلها في الداخل وليس فقط الحدود، والتأكيد على خروج القوات غير الشرعية كلها من الأراضي السورية.
مجمل المشهد الذي أشرنا إليه يدفعنا لتكثيف الجهود المخلصة لمواجهة التحديات الكبيرة، ما بعد قمة بوتين أردوغان، واقتراب الوقت لتحرير إدلب بشكل نهائي بعد إنجاز ترتيبات شمال شرق سورية، وهذه التطورات بمجملها تبدو لي مفصلية، وستقود لنهايات الحرب على سورية كما يبدو.