شرطي فرنسي أسلَم وقتل زملاءه.. لماذا؟

إهتزت فرنسا ومعها الكثير من الاعلام العالمي على وقع جريمة إرهابية نكراء ارتكبها موظف في الشرطة الفرنسية، واودت بحياة أربعة من زملائه واصابة خامس بجروح خطيرة في قلب مقر الشرطة في باريس. لم تتضح، حتى الآن، الأسباب الحقيقية التي تقف خلف الجريمة التي ما قام به موظف في الشرطة الفرنسية، كان قد اعتنق الإسلام قبل نحو 10 سنوات وهو متزوج من سيدة مسلمة ويعمل في وظيفه حساسة في الشرطة الفرنسية. لكن الوقائع تبدو جديرة بالاهتمام والاسئلة، خصوصا وأننا أمام سابقة خطيرة جدا. وهذه أبرزها: - من الساعة 11 و21 دقيقة حتى الساعة 11 و50 دقيقة قبل ظهر الخميس الماضي، تبادل الموظف في الشرطة الفرنسية ميكايل هاربون 33 رسالة هاتفية مع زوجته، كان ينهي معظمها بعبارة "الله أكبر" وعبارات إسلامية أخرى ويوصيها بالصلاة وقراءة القرآن. - عند الساعة 12 و24 دقيقة، اشترى سكين مطبخ بشفرة طولها 33 سنتيمترا، وسكينا ثانيا تستخدم لفتح الأصداف وثمار البحر العظمية، ما يدل أنه كان يخطط للجريمة عن سابق تصور وتصميم. - بين الساعة 12 و53 دقيقة والساعة الواحدة ظهرا، قتل ذبحا او طعنا 4 من زملائه في الشرطة، بينهم امرأة وأصاب خامسا بجراح خطيرة، قبل أن يقتله شرطي متدرّب لم يكن قد مضى على تعيينه في هذا المقر سوى أسبوع واحد. - جرت وقائع هذه المذبحة داخل المقر الرئيسي للشرطة الفرنسية في قلب باريس، والذي من المفترض أن يكون محصّنا أمنيا بدرجة كبيرة خصوصا ان فرنسا في حالة الطوارئ الأمنية القصوى المعروفة باسم "فيجيبيرات". - كان القاتل موظفا في مجال المعلوماتية في القسم المخابراتي المكلّف جمع المعلومات عن الشبكات الإرهابية، وهي وظيفة حساسة يتولاها الرجل منذ 16 عاما من دون اثارة أية شبهة. حتى الآن، لم تُعرف التفاصيل والدوافع الحقيقية لما حصل، لكن السلطات القضائية والأمنية والسياسية الفرنسية قالت انه "عمل ارهابي"، وكشف المدعي العام المكلف شؤون الإرهاب فرانسوا ريشار معلومات تؤكد الفرضية الإرهابية وارتباط القاتل بشبكة إرهابية. وقال أيضا انه تم رصد الرسائل الهاتفية بين القاتل وزوجته والتي تتضمن عبارات إسلامية تشير الى جنوحه نحو التطرف. وتقود العودة الى تاريخ التطرف السلفي لهذا الموظف المولود في منطقة المارتينيك الفرنسية، وكذلك طبيعة الجريمة التي نُفذت عن سابق تصوّر وتصميم وبالسكاكين، إلى جعل التحقيق يخوض أكثر فأكثر في مجال الهدف أو الفرضية الإرهابية. القاتل الإرهابي، حسب المدّعي العام الفرنسي، "سلفي" المُعتقد. لعل ذلك ما دفعه أثناء الهجوم الإرهابي على صحيفة "شارلي ايبدو" الى التفوه بكلام مناهض للصحيفة التي كانت قد نشرت رسوما كاريكاتورية اعتبرت مسيئة لصورة النبي محمد. الأسئلة الخطيرة المطروحة حاليا هي الآتية: - إذا ثبُت فعلا أن القاتل إرهابي، فما هو حجم المعلومات الدقيقة التي سرّبها للإرهابيين عن الشرطة الفرنسية وكبار ضباط الاستخبارات المكلفين مكافحة الإرهاب، وأيضا عن المُشتبه بهم او الذين تراقبهم الاجهزة الفرنسية؟ - إذا ثبُت تطرفه المختلف تماما عن "صورة الموظف الهادئ المثالي" التي قدمها عنه زملاؤه ورؤساؤه وجيرانه، هل يفترض ذلك الشك من الآن فصاعدا بكل مسلم يعمل داخل أي جهاز أمني أو إدارة فرنسية حساسة؟ - كيف استطاع خداع كل زملائه ورؤسائه، طالما ان وظيفته الحساسة تتطلب وفق قانون الشرطة الفرنسي ان يصار الى التأكد من حسن السلوك كل خمس سنوات لمنع أي جنوح او تطرف، خصوصا بعدما كشفت تحقيقات سابقة عددا مُقلقا لرجال امن جنحوا او كانوا معرّضين لذلك. كما يفرض قانون فرنسي آخر تم تبنيه في العام 2017 التحقيق الدقيق في سجل أي شرطي أو رجل أمن لمجرد الاشتباه به. - ما هي حقيقة ما تسرّب عن التحقيق مع زوجته من أنه وبرغم اصابته بصمم يمنعه من السمع بنسبة 70 في المئة، قال لها انه يسمع أصواتا غريبة في الليل وان تصرفه كان غير طبيعي. - هل فرضية الإرهاب هي فقط التي دفعته الى القتل، أم توجد أسباب أخرى قد تموت مع موته. ووفق تسريبات إعلامية فرنسية، كان القاتل مُستاء من عمله، ويعتقد أنه لا يلقى التقدير المناسب لجهده الكبير في وظيفته، مع الإشارة الى ان هذه العملية الإرهابية جرت غداة تظاهرة للشرطة تعبيرا عن الاستياء من حجم المهام الملقاة عليها وتراجع قدرات عناصرها المعيشية. لا شك أننا أمام سابقة خطيرة جدا، أصابت الأمن الفرنسي في الصميم وأصابت أيضا الشعب الفرنسي وأصدقائه بصدمة نفسية كبيرة، لكن الأخطر أنها ستصيب في الصميم العلاقة التي تزداد تعقيدا، يوما بعد آخر، بين المجتمعات الغربية وبين المسلمين فيها، وذلك برغم سعي السلطات في هذه المجتمعات الى التخفيف من تأثير ذلك والتأكيد على وحدة المجتمعات. فالمستفيدون من هكذا عمليات إرهابية كثيرون، أما الخاسرون فهم المسلمون. يبقى أن ننتظر استكمال التحقيق الذي يأمل الجميع بان يجيب على السؤال الأهم: هل في الأمر فعلا عملية إرهابية كاملة لها مخططون قد يتبنونها لاحقا؟ أم هي مجرد انتقام فردي إتخذ طابعا إرهابيا وله أسباب أخرى؟