الصين: الحزب ليس بديلاً من الشعب!

نشرت في تموز 2014 في صحيفة «الوطن»، وفي هذه الزاوية نفسها مقالاً بعنوان: «لقد قررنا أن نكون أقوياء»، تحدثت فيه عن انطباعاتي حول زيارة لجمهورية الصين الشعبية، شاركت خلالها في مؤتمر إطلاق مشروع «حزام واحد طريق واحد» في مدينة أورومتشي، عاصمة إقليم شينجيانغ، وأتذكر أنني في ذلك المؤتمر سألت أحد الخبراء الغربيين: برأيك ما سر التجربة الصينية، وقدرة الصين على المزج بين النموذج الرأسمالي الغربي وقيم الأمة الصينية؟ هل السر في فلسفة الصينيين؟ أم في جذورهم الحضارية؟ أم في قدرة الحزب الشيوعي الصيني على إنتاج تجربة تتوافق مع خصوصية الصين؟ والحقيقة أن جواب هذا الخبير الغربي كان ملتبساً، وغير مقنع لي؟ ليأتيني الجواب من أستاذة صينية بالقول: «لقد قررنا أن نكون أقوياء، في عالم لا يحترم إلا الأقوياء»، وإذا كانت هذه العبارة ليست كافية لكشف أسرار التجربة الصينية فإنها تعكس بشكل أو بآخر إرادة أمة قررت أن تكون قوية على طريقتها، وبرائحة جذور حضارتها ولمساتها وعمقها الإنساني من دون أن تكرر تجارب الآخرين.
إن أحد الأسرار في التجربة الصينية هو الدور المهم الذي لعبه الحزب الشيوعي الصيني الذي لا يمكن إنكاره لكل باحث موضوعي، حتى إن بعض الباحثين رأوا أن الفكر الماركسي، والثورة البلشفية في روسيا عام 1917 كان له أثر كبير في فكر الحداثة والتغيير من خلال نضال الشيوعيين الصينيين منذ 4 أيار 1919، ولكن الصينيين كانوا بارعين في الاستفادة من تجربة الاتحاد السوفييتي، أي من نقاط القوة والضعف، من خلال القناعة بالحاجة للحداثة والتقدم الاجتماعي وضرورة الاجتهاد والتطوير الفكري بما يساعد على مواجهة تحديات الواقع، والتوازن بين متطلبات الداخل الصيني، والتحولات العالمية في الخارج (العولمة)، إضافة لقناعتهم أن الصين بحاجة إلى نموذج وليد من التركيبة النفسية والاجتماعية للمجتمع الصيني، ومن طبيعة التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي المطلوب لمواكبة الحداثة.
منذ حزيران عام 1981 أكدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني دور الحزب وعلاقته بالشعب، معتبرة أن هذه العلاقة شبيهة بعلاقة اللحم مع الدم، وأن على الحزب مهمة العمل المستمر، والفاعل بين أبناء الشعب الصيني، وأن هيبة الحزب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعمل من أجل الشعب، وبرأيهم لولا ذلك لوقعت الصين لأسباب كثيرة داخلية وخارجية فريسة للتفكك والتصدع، ولكان مستقبل الأمة الصينية عرضة للضياع.
انطلاقاً من هذه المعادلة المهمة فإن الحزب الشيوعي الصيني لا ينكر أنه نتيجة للتطور الحاصل في المجتمع والعالم، والانتقال للانفتاح، وتزايد أثر الحرب الناعمة، فإن طبيعة التحديات ونوعيتها سوف تختلف عما عرفته الصين تاريخياً، وهذا يحتاج إلى مواجهة هذه التحديات بقوة وثقة وتجديد النموذج الصيني باستمرار، وتعزيز جاذبيته من خلال التأكيد على مجموعة أدوات منها: إن الحزب ليس بديلاً من الشعب، وإن من واجب الشيوعيين الصينيين تطوير أدوات الحزب في التعاطي مع قضايا الناس، وعليه تطوير الديمقراطية وتعزيز دور مجالس نواب الشعب، وتحديد العلاقة بين الحزب والحكومة، إذ يرى قادة الحزب الشيوعي الصيني: «أنه ليس مناسباً للحزب أن يهتم بالأمور التي تقع ضمن نطاق القانون، وإذا تدخل الحزب في كل شيء، فلن يكتسب الشعب إحساساً بالنظام والقانون، وعلى الحزب أن يعير اهتمامه للانضباط الحزبي تاركاً المشكلات التي تقع ضمن نطاق القانون للدولة والحكومة».
تبدو قضية منع التداخل بين أجهزة الحزب والحكومة إحدى المهام الأساسية لمنع التقاعس والفساد والبيروقراطية، ولا يتحقق ذلك إلا بتوسيع الممارسة الديمقراطية والشراكة والرقابة الشعبية، وانضباط أعضاء الحزب المؤمنين بالانتماء لقضايا الشعب.
من القضايا التي يركز عليها الحزب الشيوعي الصيني قضايا الانضباط الحزبي، والقيم الأخلاقية التي يجب أن يتمتع بها أعضاء الحزب بعيداً عن نزعات النفاق والولاء الشخصي والوصولية ومنطق المنفعة الانتهازية، ولهذا فإن عبارة «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية» كانت محيرة للكثير من الباحثين، وكانت مثار جدل واسع، حيث يراها البعض أنها «الطريق الرأسمالي بعباءة اشتراكية ولون ماركسي» على حين رآها آخرون أنها تجربة رأسمالية ذات خصائص صينية، أي بما يتناسب مع ظروف الصين، وحاجات شعبها الاقتصادية والاجتماعية وهي تجربة قائمة على الابتكار والمرونة في التغيير، وتركز على تكامل البناء السياسي والثقافي والاجتماعي والإيكولوجي مع البناء الاقتصادي، بهدف إسعاد الأمة الصينية كما يقول قادة الحزب الشيوعي الصيني، وقد يكون الرئيس الصيني شي جي بينغ، وهو الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، أحد أكثر القادة الصينيين وضوحاً نظرياً في تفسير أسرار التجربة الصينية، إذ يقول: «قيل لنا علينا أن نقنع بالفقر والتخلف في ظل الاشتراكية والشيوعية أفضل من الغنى في ظل الرأسمالية، كان ذلك نوعاً من النفايات»، الأمر الذي يعني أن تقديس النصوص الأيديولوجية لم يعد موجوداً، وأن الخطط يجب أن تنطلق من الواقع الصيني «وليس من واقع متخيل»، وبرأي الرئيس شي فإنه يجب الاستفادة من التجارب الأجنبية، لكن التطبيق الآلي «قص لصق» لن يقدم للصينيين شيئاً، ومن هنا فإنه يجب على الصين أن تشق طريقها الخاص، وتبني اشتراكية ذات خصائص صينية.
إذا كانت أسرار التجربة الصينية كثيرة وعديدة، لكن أهمها قدرة الحزب الشيوعي الصيني على اجتراح الحلول، المنطلقة من الواقع، والملبية لتطلعات الصينيين وتنفيذ مشاريع الإصلاح برعايته وإشرافه، وليس انطلاقاً من أجندات خارجية أو وصفات غربية مسمومة، وعبر الانتقال التدريجي المدروس وليس الصدمات كما فعل رئيس الاتحاد السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف في بلده.
إن عدم الانغلاق، والانفتاح الواعي، والاستعداد المستمر للاستفادة من كل نماذج التطور والنجاح العلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يحقق مصالح الأمة الصينية، هو ما مكن الصين من تحقيق معجزتها.
بعد سبعين عاماً من التجربة النضالية للشعب الصيني بقيادة الحزب الشيوعي الصيني يحق للصينيين أن يفخروا بما أنجزوه، ويحق لهم القول إن الصين لم تعد مجرد «ثروة من الأساطير التي يتمازج فيها السحر والغموض»، كما يقول أحد الكتاب العرب، ولم تعد تلك الأمة التي عاشت «قرناً من المذلة» في عصور الاستعمار، لكنها أصبحت في مركز الصدارة، والتفوق مع بداية القرن الحادي والعشرين لتقدم نموذجها الفعّال، والناجح في الإصلاح والتنمية ولتقول: إن «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية» دليل على حيوية، وعظمة الأمة الصينية.