موسم الحج الدبلوماسي نحو دمشق اقترب

مما لاشك به أن الملف السوري وبخاصة الشق السياسي منه، بدأ يشهد تطورات ملحوظة وإنجازات توازي نظيرتها العسكرية، وتمثل ذلك بالإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية والتي تطلبت توفير بيئة من المناخات السياسية التوافقية بصيغتها الهشة للتوصل إلى هذا الإعلان دون التعويل على تحقيق مخرجات إيجابية في دفع مسار العملية السياسية بهذا التوقيت، وصولاً للنشاط الدبلوماسي اللافت للبعثة الدبلوماسية السورية في نيويورك أثناء الدورة الرابعة والسبعين لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو النشاط الذي لم يتوقف ودفع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أثناء لقائه العاهل الأردني 2013 للقول: «لسورية جيشان الأول عسكري والثاني دبلوماسي».
هذه التطورات ترافقت مع مناخات وتغيرات سياسية وبخاصة المتعلقة بتوجه الجانب العربي الخليجي الذي بات أكثر نضوجاً في هذه الآونة لإعادة تصحيح مسار علاقاته مع دمشق، مع توافر العديد من المؤشرات التي فرضها الصمود السوري ومتانة محوري المقاومة ومحاربة الإرهاب على الواقع السياسي:
1- رغم نفي مساعد الأمين العام لجامعة الدول العربية بأن مبادرة أمينه العام لم يكن مخططاً لها ولم يحمل أي رسالة للوفد السوري وأنها حدثت بمحض الصدفة، إلا أن ما حصل من إقدام أحمد أبو الغيط بخرق الدائرة الدبلوماسية السورية في إحدى أروقة الأمم المتحدة للقول لهم «مساء الخير.. مش معقول» لم يكن تحرشاً أو سلوكاً بريئاً، لعدة أسباب:
• لأن الجامعة العربية بمعظم أعضائها ومسؤوليها كانت حريصة أشد الحرص وتتقصد بحذر تام، عدم حصول أي لقاء أو مصافحة أو دعوة لأي تمثيل لوفد حكومي سوري في أي استحقاق إقليمي أو دولي منذ بدء الحرب على سورية بهدف عزلها وسحب شرعية التمثيل منها.
• هذا الموقف يذكرنا بالمصافحة واللقاء السريع الذي حصل بين وزير الخارجية السوري ونظيره البحريني العام الفائت وبذات المكان والاستحقاق، والتي أثمرت بإعادة العلاقات الدبلوماسية وافتتاح سفارتي الإمارات والبحرين في دمشق مطلع العام الحالي.
• تحرش الأمين العام لجامعة الدول العربية حصل مباشرة بعد اجتماع أبو الغيط مع وزير الخارجية السعودي إبراهيم العساف، الأمر الذي يفرض أحد احتمالين: أن يكون أبو الغيط يمهد لمصالحة سعودية سورية، أو بمصالحة عربية مع سورية ابتدأها كرأس للجامعة قبل الجسد بضوء أخضر سعودي.
2- اجتماع وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم مع نظيره العماني يوسف بن علوي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لمدة تزيد عن ساعة من دون أي بيان إعلامي أو تصريح صحفي من كلا الجانبين، الأمر الذي يشير لاحتمالية قيام عمان بنقل رسالة للوفد السوري أو بدور المساعي الحميدة في إنجاز مصالحة بين جامعة دول العربية أو أحد الدول الخليجية مع دمشق.
3- الاهتمام الإعلامي وبخاصة على الصعيد الإقليمي مثل قناتي «العربية» السعودية و«الجزيرة» القطيرية، بنقل وبث كلمة الوزير المعلم على منبر الجمعة العامة للأمم المتحدة من دون أي انقطاع، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ سنوات.
4- تأكيد المعلم في كلمته على المنبر الأممي، أن سورية لا تريد الانتقام من الدول التي ناصبت العداء لها، مضيفاً: «نمد أيدينا للحوار على أساس مصالحنا المشتركة وندعو الدول لإعادة حساباتها»، فهذا التأكيد قد يحمل رسالة مزدوجة الأولى للدول التي تجس نبض سورية والتي قادت الحرب عليها والثانية هي لباقي دول العالم التي خضعت للضغوط الأميركية لقطع علاقاتها مع دمشق، فمثل هذا التأكيد صادر عن أحد أبرز أعمدة الدبلوماسية السورية والمعروف جيداً أنه يزين كلامه بميزان من ذهب قبل نطقه.
ثبات صحية ومصداقية هذه المؤشرات تفرض علينا الإجابة والتفكير بسؤال يفرض نفسه بقوة، أي من المقاربات هي الأقرب للتطبيق الواقعي، عودة دمشق للجامعة العربية؟ أو عودة العلاقات الدبلوماسية القطرية مع سورية بدعم وتشجيع إيراني؟ أو مصالحة سعودية سورية تمهد لعودة دمشق لجامعة الدول العربية وتفتح الأبواب على مصراعيها لبدء موسم الحج الدبلوماسي العربي نحو سورية؟
التطورات المتسارعة والأحداث المتعاقبة تشير إلى أن السعودية هي الأقرب للمصالحة مع دمشق وإعادة الدفء للعلاقة بينهما، استناداً وعلى المعطيات التالية:
أولاً: إحياء واستكمال المبادرة الروسية التي بدأها المبعوث الخاص للرئيس الروسي الكسندر لافرنتييف منذ نيسان الماضي، والتي يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيتابعها بشكل شخصي أثناء الزيارة التي سيجريها منتصف شهر تشرين الحالي إلى السعودية، فهذه المبادرة توقفت أو تأخرت نتيجة ثلاثة اعتبارات: الأول الضغط الأميركي الذي مارسته واشنطن على المملكة بهدف عدم عودة العلاقات في إطار الضغط الأميركي لفرض الحصار الاقتصادي على دمشق وفرض العزلة السياسية عليها، أما الاعتبار الثاني فهو يتمثل بالزج الأميركي للسعودية بقيادة مشروع تشكيل مجالس عشائرية تكون رديفة ومكملة لما يسمى «الإدارة الذاتية» ومنخرطة معها في ذات التوجه، أما الاعتبار الثالث فهو انشغال السعودية بعدوانها على اليمن بعد تقلص نفوذها وتأثيرها في المشهد العسكري السوري بعد هزيمة ميليشيا «جيش الإسلام» ونقله للشمال السوري وتشرذمه وتغير مرجعيته نحو المظلة التركية.
ثانياً: ما كشفه المدون السعودي الشهير المعروف بـ«المجتهد» بداية شهر أيلول الماضي عن عزم السعودية إلى إعادة تطبيع العلاقات مع الدولة السورية مؤكداً أن السفير السعودي سيصل خلال أسابيع لدمشق.
ثالثاً: عودة بعض وجهاء العشائر العربية الموجودين في السعودية منذ أعوام إلى سورية خلال الأسابيع الماضية، في مقدمتهم شيخ مشايخ قبيلة الجبور العربية نواف عبد العزيز المسلط والذي تربطه علاقة قرابة مع العائلة المالكة السعودية وتأكيده أن الرياض تمضي بشكل إيجابي للوصول إلى علاقات مميزة مع دمشق، وأن الرياض تعتبر سورية صمام الأمان في المنطقة.
رابعاً: العامل الأهم والأكثر إلحاحاً للسعودية وبخاصة لولي العهد محمد بن سلمان، من إعادة علاقاتها مع دمشق بهدف عدم تغيب السعودية عن الحل السياسي في سورية يبعدها عن المشاركة في إعادة الإعمار، وبهدف إعادة التوازنات القديمة للمنطقة بهدف الحد من توسع النفوذين التركي والإيراني، ولأن السعودية أصبحت بحاجة للحوار مع إيران ولا يمكن حصول ذلك إن لم تتوافر الظروف والبيئة السياسية لذلك والتي تتطلب حلحلة بعض الملفات في سورية واليمن، وبخاصة أن الأحداث الأخيرة من تفجيرات «الفجيرة» وصولاً لأزمة «أرامكو» أظهرت عدم جدية أميركا في شن أي عدوان على إيران بل توظيف تلك الأحداث لابتزاز السعودية والخليج مادياً وبما يخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إنعاش اقتصاد بلاده قبل خوض الانتخابات الرئاسية.
التصريحات المصرية المتتالية سواء للرئيس عبد الفتاح السيسي والذي أكد بها أن الإرهاب كان له وظيفة تدميرية في سورية، وتأكيد وزير خارجيته سامح شكري على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن مصر حريصة على تقديم كل أشكال الدعم لجهود تسوية الأزمة السورية لم تأتِ عن عبث فهي تصريح رسمي لمسؤول رفيع من الحليف المصري الوثيق للسعودية، وما يجري من محاولة تحريك الشارع المصري ونشاط العمل الإرهابي في سيناء ليس بعيداً عن العبث التدخلي الأميركي التركي بهدف إلهاء مصر بأزمة داخلية لعدم التواصل مع دمشق ونقل رسائل سعودية إليها والضغط على الأخيرة لعدم الانفتاح على سورية بهذا التوقيت الذي لا يصب بمصلحة الأجندة الأميركية.