«اليرقان» يفتتح سوقاً سوداء.. الشائعات تتلاعب و«الرسميون» بحاجة لـ«سحب الكلمة من الفم»

الأحد, مارس 29, 2015 - 12:00pm

ليس "اليرقان"، كمرض بات خبزا يوميا لحديث السوريين، هو ما يسبب الذعر صحيا، بل "التهاب الكبد الوبائي" هو الهاجس الحقيقي، الذي يسبب المخاوف التي تستند عليها الشائعات للتضخم والانتشار، وربما الوقائع أيضا.

وفي الشارع، اختلطت الأمور حاليا، بين التخوف من اليرقان، الذي يعتبر مرضا من الطبيعي أن يصاب به أي شخص، وبين الالتهاب الوبائي، الذي يحظى بخطورة تتهدد حياة المريض.

 بورصة اللقاحات

وطالما أن هذا الأخير – التهاب الكبد الوبائي – ليس ظاهرة مرضية، ولم يخرج من دائرة الشائعات التي أرهبت صحيا وبشكل فعلي، الشارع السوري، إلا أن الكلام عن هذا النوع من أمراض الكبد، كان بمثابة الباب الذي فتح من ورائه الكثير، على مشكلات تتعلق بالرقابة الصحية، والإجراءات الوقائية الملموسة، التي يجب اتخاذها في مثل هذه الظروف.

وخلال ذلك، بدأ الحديث عن مؤشرات متنوعة، لـ"تسعيرات" دوائية تستعمل كلقاحات أو مضادات، تخضع لظروف العرض والطلب في السوق، كأنها بورصة، وتقيّم سعريّاً تبعا لمنشأها، ليصبح مع ذلك، المواطنون الباحثون عن أدوية وقائية، أشبه بمستهلكين أمام العروض التي تقدمها الصيدليات، في وقت تعتبر فيها هذه الحالة، فرصة كبيرة للربح، على طريقة الكثير من القطاعات التي انتهزت فرصا شبيهة، لتحقيق طموحات ربحية، لم تكن تحلم بها لولا حالات طفت على سطح أزمة البلاد العامة، لتقديم أي "طلب مفقود" من خلال "المتاجر" أياً كان تصنيفها.

 السوق السوداء

تؤكد مصادر أهلية، في عدد من أحياء العاصمة دمشق، لشبكة عاجل الإخبارية، أنهم شاهدوا في أكثر من مكان، صيدليات تقوم بلصق إعلانات ورقية، عن لقاحات ضد اليرقان وأمراض كبدية أخرى، إلى جانب أبواب هذه الصيدليات. وبالرغم من أن هذا النوع من الإعلانات، هو مخالف تماما لقانون المؤسسة العربية للإعلان، إلا أن الملصقات الورقية تتضمن أيضا تسعيرة تبدأ من 9000 ليرة، وحتى 13000 ليرة، للقاح اليرقان، ومنشأ هذه العقاقير هو لبنان، وقد يصل السعر حتى 24000 ليرة، لأنواع خاصة، يقال أنها متطورة النوعية.

زبائن دسمين

والأكيد، أن هذا النوع من "الأسواق"، بات يجد المواطنين المرتعبين جدا، زبائنا دسمين، حيث يتم الترويج فيما بينهم على أن المطلوب في الحدود الدنيا، 3 جرعات للقاح من هذا النوع وبتلك التسعيرة، ليصبح هاجس الإصابة به بعيدا.

وما تستند عليه هذه "الأسواق" أيضا لترويج عروضها، هو انعدام وجود لقاحات في المشافي الحكومية، التي كسبت ثقة كبرى في الفترة الأخيرة، نتيجة لارتفاع أسعار الاستطباب في القطاع الخاص، وتقديمها العلاج لأغلب أنواع الأمراض بشكل مجاني.

وفي الحين الذي ارتفعت فيه وتيرة "التخويف" من الأوبئة، وجدت المشافي الحكومية نفسها أمام طلب لأنواع من العقاقير، لم يكن شائعا في أوقات سابقة، فيما انخفضت حظوظ محاولات الطمأنة، كي تسكن في بال شارعٍ، بات يتخوف من أي شيء، ويخضع لكل هاجس، لأنه وبحسب ما يعتقد، فإن (كل شيء وارد في ظل ظروف استثنائية وهي الحرب، قد ينتشر معها أي مرض ووباء).

تصريحات خجولة

في هذا الخضم كله، عادت التصريحات الرسمية لتظهر بشكل خجول، وهذه مشكلة متجددة في كثير من الأزمات والاختناقات التي ظهرت على الصعيد الاقتصادي سابقا. وعلى ما يبدو، فإن تصريحات وزارة الصحة بهذا الخصوص، كانت "مقتضبة" جدا، بالنسبة إلى حجم انتشار الشائعات في الشارع، حيث اكتفت الوزارة بالقول، إن حدود الإصابة بهذا النوع من الأمراض لا زال دون حدود الخطورة، دون توضحيات أو حيثيات، ولا حتى حملات توعية، التي غابت بشكل مطلق، مع العلم أن الوزارة لم تكن تقصر في مثل هذا النوع من الإجراءات، كما كان الحال سابقا، في التوعية بضرورة التلقيح ضد مرض شلل الأطفال سابقا، أو تعليمات الوقاية من الإنفلونزا على سبيل المثال. هذا الخجل، زاد من حظوظ السوق السوداء "الصحية" التي ظهرت مؤخرا، على قائمة الأسواق السوداء التي يعاني منها المواطن، الذي لم يجد ما يزيل مخاوفه إلا "التطنيش"، أو الانصياع وراء العروض المقدمة على أنها سبل للوقاية.

أما التصريحات الرسمية، فقد ظهرت على أنها بحاجة إلى من "يسحب الكلمة من فمها"، بخصوص توضيحات تدحض الشائعات، التي تلوم بها التصريحات الرسمية، مواقع التواصل الاجتماعي التي تغذي الشائعات،- ومن المنطقي أن هذه الأخيرة تحتاج إلى ما يدحضها ويضع لها حدا، حيث لا يكفي "النفي" في مثل هذه الحالات التي تتحول إلى ظواهر مخيفة.

وللمخابر أسهمها في السوق

في هذا السياق، لم تكتفِ المخابر الطبية بالوقوف جانبا، بل أدرجت أسهمها، حيث ارتفع "الطلب" على إجراء التحاليل المخبرية لعرفة النتائج بخصوص الأمراض الكبدية، والواضح، أن سوق هذا النوع من التحاليل، هو "الماشي" في الوقت الحالي.

وبلغت تسعيرة التحليل المخبري، لتحليل ما إذا كان الشخص ملقحا ضد الأمراض الكبدية واليرقان بين 3000 – 4000 ليرة، فيما بقيت تسعيرة معرفة حالة الشخص إذا ما كان مصابا أم لا عند 300 – 400 ليرة.

 ما يزيد الطين بللاً

المشكلة الجديدة التي تضاف على رزمة المشاكل السابقة، هي تحذيرات من أطباء باتت تنتشر، بأن اللقاحات التي يتم الترويج لها، هي غير مجدية وليست ذات نفع.

وبالإضافة إلى هذا، فإن الشائع بين المستهلكين، هو فعلا، أن هذه اللقاحات غير مجدية، لتصبح هذه العقاقير بلا صلاحية فعلية، وتسويقها هو أحد ضروب "النصب والاحتيال" واغتنام السوق، لتقديم عروض يجنى من خلفها أرباح.

والسؤال الدائم الذي يلح من جديد، هو عن الرقابة، التي باتت قاسما مشتركا للغياب في كثير من المسائل التي تحولت إلى مشكلات.

إصبع الاتهام

فيما لو رُفع إصبع الاتهام، فإن الإشارة ستتجه فورا إلى الطعام الجاهز المصنع في السوق أولا، وإلى انعدام إجراءات النظافة في الكثير من القطاعات المتعلقة بسوق الغذائيات، وهذا كله بلا رقابة واضحة، ذات ثقل يردع المخالفين.

كما أن شروط التخزين الصحي، للغذائيات التي تقدم بشكل يومي واعتيادي، لا تحظى بثقة المستهلك على الإطلاق، وما زالت بحسب استطلاع بسيط أجرته "عاجل"، بأنها السبب الرئيس في انتشار أي مرض أو وباء، أو أنها السبب المباشر لتصديق الشائعات، والجري في طريقها كما تشاء هي. ويقول أحد المستهلكين لـ"عاجل"، أنه عزف عن شراء مادة غذائية من محل تجاري في مكان يفترض أن الرقابة الصحية تستطيع الوصول إليه وبشكل اعتيادي، ولا ينبغي الغياب عنه، لأن العامل المحضّر للمادة، خرج أمام الزبائن من المرحاض ليمارس عمله مباشرة، دون أن يلبس القفازات والطاقية، التي تلزم بها الجهات المعنية جميع العاملين في بيع المأكولات، لاسيما غير المعلبة. وتساءل المستهلك نفسه، عن كون وجود محال تجارية كثيرة مختصة بالمأكولات، عمالها لا يرتدون وسائل النظافة، وكل ذلك دون رقابة أو إجراءات.

العقاب علنا

في هذه الأثناء، طالب مستهلكون، بأن تقوم الجهات المعنية بمخالفة المحال التجارية التي لا تتقيد بالتعليمات الصحية، بشكل علني وعبر وسائل الإعلام، لأن هذا الأمر يشكل رادعا كبيرا، حيث أن "تختيم" المحال المخالفة بالشمع الأحمر، أمام أنظار الرأي العام، سيشكل حافزا للكثير من المحال المخالفة لاتخاذ احتياطاتها، الممثلة بالالتزام بالتعليمات الصحية.

في دائرة المرض

 وفي الخلاصة، ليس مرض التهاب الكبد الوبائي جديدا، ولا حتى اليرقان الذي تؤكد المصادر الطبية أن أكثر من ثلاثة أرباع المواطنين أصيبوا به.

لكن الجديد هو أن هذا النوع، من الأمراض، صار ساحة لـ"الاسترزاق"، خصوصا مع معرفة أن الالتهابات الكبدية، تأتي بسبب التلوث وتحديدا من مياه المستنقعات والمياه غير النظيفة، إضافة إلى ضعف مناعة الكبد الناجمة عن المواد الهرمونية والستروئيدات، غير الصحية، والتي تدخل في عملية تكبير وتسريع نمو المنتجات الغذائية، من اللحوم إلى الخضار والفواكه، لبيعها بشكل أسرع من الموسم. وظهر التهاب الكبد الوبائي في البلاد، قبل الأزمة بسنوات، كظاهرة مخيفة، لكن ليست بهذا الشكل، لأنه في ذلك الوقت لم يجرِ "اللعب على وترها" كما الآن، حينما تحولت إلى "بسطة" لتقديم العروض، وجني الأرباح من مصادر لم تكن متوقعة أو خاطرة على البال.