أن تكتب عن الموسيقى العربية في زمن العولمة

الثلاثاء, سبتمبر 10, 2019 - 1:15pm

ماجدوى الكتابة عن فنٍ لم يتبقى منه إلا الأسم، عن فن كان بهياً ومضيئاً، عبر التاريخ، أثر وتأثر بموسيقات الشعوب من دون أن يكون ذلك على حساب عناصر الابداع في هويته الثقافية الجامعة، لأن الموسيقي العربي كان ينتمي الى تاريخ ولغة وبيئة حافظ على خصوصيتها وروحها ومزاجها النغمي من دون أن يكون ذلك مدعاة للتقوقع والجمود والسكونية المريضة. 

- فما الذي حدث وانقلب مفهوم الانتماء نحو مسارات العبث والغربة والتغريب، بحيث لم تعد موسيقانا العربية كماعهدناها عبر التاريخ، خير معبر عن قضايا الوطن والانسان، بل باتت أقرب الى الهذيان والعشوائية والمجونية، بحيث فقدت وجهها الجميل وحضورها الفاعل في مسرى الثقافة العالمية، وهذا نتيجة طبيعية، لغياب وتغييب التربية الذوقية الجمالية، وحالة الانفصام والشيزوفرينيا في العقل الموسيقي المعاصر، بحيث يرى المرء هذا الانفصام واقعا وماثلا في مناهج الجامعات والمعاهد الموسيقية التي تنتهج المسار الغربي الكلاسيكي، ومابين مايقدم في الاعلام العربي من منتوج كسيح وهزيل ومنحط الى ابعد الحدود، فنحن نرى في كل موسيقات الشعوب الجانب الكلاسيكي يتوازى مع الجانب الاستهلاكي التجاري، إلا في موسيقانا العربية، التي أضحت بلا لغة ولسان فصيح، تعيش على الهامش، تقتفي أثر ذلك الزمن الجميل الأصيل، الذي وسم أغلب نتاجها الابداعي، بدايات ومنتصف القرن الماضي، هل نحن في حاجة للتذكير بنتاجات الرواد وفي كلتا الموسيقتين الشعبية الاصيلة والفنية التقليدية، هؤلاء الرواد الفرسان، الذين تفهموا الحداثة والتجديد، كعامل تخصيب وإثراء حقيقي لهذا الفن، وليس كعامل هدم وتجاوز للموروث والإرث الروحي العظيم الذي تحقق عبر مدارس وتقاليد عظيمة، انبنت انطلاقا من عناصر الهوية الوطنية، أي من الداخل، وليس فرضا من الخارج، كما حدث ويحدث في المشهد المعاصر الذي يئن من شدة ووطأة حمى التقليد واستنساخ الآخر بشكل "قردي" مريض على رأي الباحث الدكتور "محمود قطاط" وغيره من باحثين كبار، قدموا الكثير من الإسهامات الثرة، فكرا وعلما وثقافة، للخروج من هذا النفق المظلم، لكن يبدو ان سلطة المال الفاسد المفسد، أقوى من كل شيء، ودائما كانت العملة الرديئة تقول كلمتها الفيصل في هكذا أمور "ومن يدفع للزمار يفرض اللحن الذي يريد ". لكن لابد من التفاؤل ولو قليلا، فالأمور ليست بكل هذا السوء والسوداوية، صحيح أن اللغة التجارية تتسيد المشهد المعاصر، وفي كل الموسيقات، لكن من الصحيح أيضا، ان ثمة فرسان حقيقيون، من جيل الشباب المثقف، يقف على الضفة المقابلة، يكتب موسيقى عربية بديلة لهذا السائد المنحط، موسيقى تنتمي بروحها الى تلك الجذور الأصيلة التي نمت في تربة وطين هذا الفن، هم بعيدون عن المشهد وعن جنة الاعلام والشركات الانتاجية العتيدة، لأن موسيقاهم لاتناسب ذوق وذائقة سدنة وكهنة هؤلاء المفسدون، الذين يتحفونا بابداعات الدجالين والمهرجون والأدعياء ممن دخل مجال هذا الفن، بمحض الصدف والحظ وأمور اخرى معلومة، والنتيجة لذلك، مزيد من الكوارث الاخلاقية والتربوية لفن من المفروض ان يكون عامل بناء وارتقاء للانسان العربي وليس عامل انحطاط وهدم. يقول الكاتب النمساوي "كارل كراوس" :" أنّ ثمة فرقاً بين المال الذي يؤمن بالمشاريع الثقافية ويدعمها ويساعدها على أن تتجسد انطلاقا من رؤية تنظر إلى الثقافة بصفتها عاملا من عوامل التنمية وصورة لتقدم المجتمع. والمال الذي يتعاطى مع الثقافة كسلعة ويحصر قيمتها فقط في مردوديتها المادية، هذا التوجه هو الذي يفرض قوانينه اليوم ويتغير معه المعنى الثقافي ومفاهيم الجمال فيصبح صاحب السلطة الثقافية أهم من المثقف،.. وحين تنخفض شمس الثقافة إلى هذا الحد، يصبح للأقزام ظلال كبيرة ".