الحوار مفتاح المستقبل

علينا أن نعترف أولاً أننا لم نمتلك مهارات الحوار، ولم نعلّم أجيالنا المتعاقبة ثقافة الحوار للخروج من المآزق، أو إيجاد حلول لمشاكلنا المختلفة السياسية، والاقتصادية والثقافية والمجتمعية، ومرد ذلك أنه تعودنا أن ننصت ونستمع للمسؤول أو للسياسي، وكأن ما يقوله كتاب مقدس لا يمكن مناقشته، أو تناوله، أو المساهمة بإغنائه، وكانت الكثير من خطاباتنا تنحو نحو مخاطبة عواطف الجمهور واللعب عليها، معتقدين أن ذلك هو أسهل طريق لإيصال الرسالة المطلوبة.
الحقيقة أن هذا الكلام لا يعني إدانة مرحلة تاريخية أبداً، إنما مناسبة هذا الحديث هو أن العالم تغير، والأجيال تغيرت، وتحولت تطبيقات التكنولوجيا الحديثة وأدواتها إلى عامل ضاغط علينا جميعاً، يحتاج منّا إلى امتلاك وسائل تأثير، وصناعة رأي عام تختلف عن الماضي، وتخاطب عقل الإنسان قبل عاطفته، باعتبار أن استخدام العاطفة ليس أمراً مرفوضاً بالمطلق، إنما يجب أن يكون كالدواء الذي يمنحه الطبيب ضمن جرعة محددة، ولزمن محدد، وإلا تحول الدواء إلى عامل لتسميم المجتمع عندما يزيد عن حده، ولا يرتبط بالواقع وقضايا ومشاكل الناس.
لقد وقعنا في سورية في إشكالات عديدة مع بداية الحرب علينا قبل تسع سنوات أحدها أننا صدّقنا التصنيفات التي فرضها الإعلام المعادي علينا، وتعاطينا مع المصطلحات باعتبارها حالة قائمة في الواقع من دون أن نفكر بتفكيكها، وأضرب مثالاً على ذلك أن أعداءنا حاولوا منذ البداية إقحام الورقة الطائفية لبناء جدران بين أبناء الشعب السوري، وهذه فشلت بسبب أن الكتلة الاجتماعية الوازنة رفضت هذا الإسقاط، ورفضت معه هذا التعاطي مع السوريين، فكانت النتيجة أن الانزياح الديمغرافي بين أبناء المدن والمناطق في سورية أسقط لوحده هذه الورقة التي غذّوها عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وعبر منصات معدة مسبقاً لهذا الغرض، وهنا وقع البعض منّا في مصيدة الخصوم عندما بدأ يهاجم التطرف الذي يمكن أن يكون دينياً، مذهبياً، علمانياً، قومياً، إثنياً، ولذلك احتاجت معالجة هذا الموضوع لجلسات حوارية طويلة قادها الرئيس بشار الأسد شخصياً، شملت المؤسسات الدينية ورجال الدين والداعيات، بهدف الوصول إلى قواسم مشتركة وطنية تساعدنا في مواجهة التحديات، بمعنى أن الحوار كان هدفه إزالة الالتباسات الحاصلة، والمصارحة والمكاشفة ليس من أجل إدانة طرف لآخر، إنما من أجل أن يتحمل الجميع مسؤولياته، لأنني أتذكر أن الرئيس بشار الأسد قال: إننا جميعاً نتحمل المسؤولية عما يحدث في بلادنا: الحكومة، والحزب والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلام، وغيره الكثير.
في بُعد آخر أتذكر أن أعداءنا انتقلوا إلى مصطلح آخر فقسمونا إلى «موالاة» و«معارضة» وحينما تريد أن تفكك هذه المصطلحات عليك أن تسأل:
موالاة لأي شيء، أو هدف، أو مشروع؟ ومعارضة لأي شيء، أو هدف، أو مشروع؟
بمعنى إذا كان الأمر موالاة للوطن ووحدته وسيادته والحرص على مؤسساته ورموزه الوطنية فقد يكون كثيرون ممن اصطفوا على الطرفين متفقين على هذه النقاط.
وإذا كان الأمر معارضة للفساد والمحسوبيات والتدخل الخارجي والإرهاب والعمالة والخيانة، فسوف نجد كثيرين ممن صنفوا أنفسهم في الطرفين متفقين على هذه النقاط.
إذاً كيف نحل هذه الإشكالية؟ لا حل لها إلا عبر الحوار، وإيجاد نقاط الالتقاء الكثيرة، وتذليل نقاط الخلاف إن وجدت، ولكن الأهم أن نعمل على المشترك ونعززه، وليس على المختلف عليه كبداية، ثم نعمل على مناقشة الخلافات لإيجاد الحلول لها، وهذا يتم بالطبع عبر الحوارات، والنقاشات المستمرة.
ما أريد قوله: إن الكثير من إشكالياتنا طوال مدة الحرب ولا تزال، هي في غياب ثقافة الحوار التي أكد ويؤكد الرئيس بشار الأسد عليها دائماً، وهنا لابد أن نشير إلى أن الحوار ليس هدفاً أو غاية، أي ليس جدلاً سفسطائياً، إنما هو وسيلة لغاية، والغاية هي إيجاد الحلول لمشاكلنا، تعزيزاً لوحدة الشعب، والبحث عن المخارج اللازمة، والانتقال من التنظير إلى الواقع العملي الذي ينعكس فائدة وثماراً على الجميع.
هنالك إشكالية ما زالت تواجهنا، وهي أن غياب ثقافة الحوار جعل منّا أناساً لا يتقبلون النقد، وجعل الكثيرين منّا يرون أن النقد شكل من أشكال الاستهداف الشخصي، والحقيقة أن النقد يجب أن يستهدف ظاهرة سلبية، أو سلوكاً سلبياً بهدف تصحيحه وتصويبه، وأن النقد يجب أن يتمتع بميزتين أساسيتين هما: العلمية والموضوعية، وأن يبتعد عن الشخصنة، وهذه قضية تحتاج للتدريب المستمر والدائم، وكلما خضنا حوارات متعددة ازددنا قدرة على تفهم الآخر، وامتلكنا مفاتيح الحلول لمشاكلنا، وأوجدنا الآليات المناسبة من أجل الخروج من عنق الزجاجة، والوصول إلى بر الأمان.
عندما أتحدث عن أهمية الحوار بالنسبة للمستقبل بهدف إنتاج آليات جديدة للحل، يجب أن لا يفهم البعض من هذا الكلام أن هذا الأمر ينطبق على الحوار مع من باعوا ضميرهم، وتحولوا لأدوات علنية، لا تخجل في الخيانة الوطنية، والعمالة، إنما ما أقصده أن تجري الحوارات مع كافة فئات المجتمع وشرائحه المختلفة بهدف تعزيز وحدتنا الوطنية، وتوزيع المسؤوليات ما بين الدولة والمجتمع، لان «الدولة الأب» لم تعد قادرة لوحدها بأن تتلقى على كاهلها كل المسؤوليات، بل لابد من أن يتحمل كل منّا مسؤولياته في مجاله وقطاعه وعمله ومهنته، إذ لا يجوز بعد اليوم أن نقف ونطلب من الرئيس الأسد أن يمتلك عصاً سحرية لحل مشاكلنا كلها، والقيام بدور كل منّا، بل لابد من أن نساعد جميعاً بالأفكار، والمشروعات، والممارسة، والسلوك، والقيام بواجباتنا الوطنية، والوظيفية، من أجل مواجهة التحديات الكبيرة التي تعصف ببلدنا، وليس مقبولاً من أحد أن يلقي المسؤوليات على الآخرين، فقد دخلنا مرحلة جديدة يجب أن نتحمل فيها جميعاً مسؤولياتنا حسب مجالات عملنا، وأن نتمتع بأخلاقيات وطنية عالية من أجل النهوض.
بوابات المستقبل هي الحوار الناضج، المثمر، من أجل التفكير الجمعي لخلاصنا المشترك، وغير ذلك مجرد نفاق مللنا منه، ولم يعد قادراً على الاستمرار، وبالرغم من أنه سيبقى موجوداً، ومستمراً، لكن يمكن أن نخفف من نسبته من خلال الحوار الصريح والجريء والبنّاء من أجل مستقبل أفضل لكل السوريين.