أُجراء لا حلفاء!

تذهلك المشاهد التي تقدمها شاشات التلفزة في نشرات الأخبار عن حجم وضاعة وتفاهة بعض أمراء ومشايخ النفط والغاز، حيث وصلت بهم الأمور إلى حد الضحك والابتسام على قضايا تمس حتى الهيبة الظاهرية، التي يفترض أن يحتفظوا بها أمام الكاميرات، وملايين البشر.
أمير قطر لم يخجل أن يعلن أنه أنفق مليارات الدولارات لتوسيع قاعدة العديد الأميركية، وأن الميزان التجاري بين مشيخته والولايات المتحدة يميل لمصلحة أميركا مع ابتسامة عريضة تقول: إنني تابع مطيع للمصالح الأميركية، والمهم أن يرضى سيدي الرئيس دونالد ترامب!
القضية ليست هنا، لأن أمير قطر الأب والابن من حقهما أن يكونا أجيرين رخيصين عند من يقول لهما صباح مساء لولانا لما بقيتم على كراسيكم وعروشكم، ولكن القضية المهمة أن تقود قطر هذه مسيرة الديمقراطية والاستقلال الوطني والكرامة والحرية في الدول العربية بين عامي 2011-2013، وما تزال قناتها «الجزيرة» منبراً لأحرار العرب الجدد الذين يتشدقون كل يوم بالحديث عن التطور والديمقراطية، والأهم، الكرامة الوطنية، كيف لا؟ وهم يتحدثون من معقل الحرية والتقدم والكرامة، قطر التي أنفقت 8 مليارات دولار على توسيع سطوة الولايات المتحدة وجبروتها.
هذا المشهد يذكرنا أيضاً بأولئك «الخونة» السوريين الذين ظلوا طيلة السنوات الماضية، وما يزالون يُنظّرون علينا بثورة الحرية والكرامة والديمقراطية من منبر قطري أو سعودي دون أن يشعروا بالخجل ولو لمرة واحدة من أن فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف لك أن تكون حراً، وأن تتحدث من منبر أجير وتابع للولايات المتحدة، وكيف لك أن تتحدث عن الاستقلال، وأنت تعيش بين جنبات أتباع وأجراء ينفذون بأمانة ما تطلبه الولايات المتحدة وإسرائيل، لا بل أصبحوا يجاهرون بذلك علانية.
مناسبة الحديث أن من حق أي دولة أو مشيخة أو إمارة أن تقيم علاقاتها الخارجية كيفما تشاء وكيفما تريد، وأن يجري التعاطي مع الأمير أو الشيخ بالطريقة التي يجدها مناسبة له ولكرامته، لكن لا يحق لهؤلاء الأتباع والأجراء، ولا لمن يعيش حول موائدهم ويقبض منهم، أن يرفع رأسه أمام أي سوري وطني عاش وصمد وبقي في وطنه ودافع عنه، حتى لو كتب لنا المعلقات حول أهمية الديمقراطية، ونسائم الحرية ومعاني الكرامة ومشاعرها، وهو أمر لا أستطيع أن أفهمه سوى أنه قمة الوقاحة والوضاعة، من هؤلاء ليس إلا!
الجانب الآخر لهذه المسألة أن الولايات المتحدة الأميركية لا تبحث عن شركاء بل عن أتباع كما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ذات يوم، فالرئيس دونالد ترامب لا يحترم ملك السعودية على الرغم من أن الرجل طاعن في السن، ولكنه اعتاد أن يهينه كلما أراد أن يرضي قاعدته الانتخابية، ويستعرض عضلاته، لكن ترامب نفسه ذهب إلى الرئيس الكوري الديمقراطي كيم جونغ أون مرتين وعقد قمتين معه، والثالثة تجاوز خط الحدود بين الكوريتين لأول مرة منذ الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي.
أما مع إيران فبالرغم من التصعيد الكبير والحشود العسكرية، لكنه عرض على طهران الحوار والتفاوض، وترك رقم هاتفه عند طرف ثالث تعبيراً عن حسن النية، وتراجع عن شروطه التي أعلنها وزير خارجية مايك بومبيو إلى شرط واحد وهو عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، وهو يعرف أن إيران لا تريد ولا تسعى لذلك، وهناك أيضاً نموذج فنزويلا الذي تراجعت الأضواء عنه بعد إخفاق واشنطن في كسر إرادة الفنزويليين والرئيس نيكولاس مادورو، وبعد أن تبين أن زعيم المعارضة الفنزويلية لا يختلف كثيراً عن المعارضين السوريين الذين قضوا أيامهم متنقلين بين الفنادق والمنتجعات على حساب هذه الدولة أو تلك، أو أجهزة المخابرات الأجنبية.
إن اعتقاد واشنطن أن بإمكانها أن تحكم العالم على طريقة الأتباع والأجراء، في مشيخات النفط والغاز، هو مشكلة حقيقية، فالعالم بدأ يتغير، والشعوب تأخذ دروساً من بعضها البعض، وأهم هذه الدروس ما قدمه الشعب السوري من صمود عز نظيره، ومن تضحيات سيكتب عنها كثيراً في المستقبل، ومن نموذج جيش بطل أسطوري يقاتل الإرهاب المعولم منذ نحو سنوات تسع وما يزال، ومن قائد ما يزال صابراً صامداً لإيصال بلده وشعبه إلى بر الأمان.
إن لجوء الولايات المتحدة إلى فرض العقوبات على رؤساء الدول وقادتها، ورموزها الوطنية، والنواب المنتخبين، ومؤسسات الدول وشركاتها، لهو دليل على اعتقاد واشنطن أنها يمكن أن تحول دول العالم وممثليها، إلى أُجراء وأتباع، كحال ممثلي بعض الدول الذين لا كرامة، ولا استقلالية لديهم.
هذه إشكالية ستزيد بحث دول العالم مجتمعة عن مخارج مشتركة لهذا الطغيان والتكبر الأميركي الذي لن يردعه إلا إدراك دول العالم أن استمرار هذا الجبروت والطغيان وعدم الاحترام لأحد في هذا العالم سيتسبب بالمزيد من عدم الاستقرار، والمزيد من الحروب، وهو ما سينعكس على الجميع في العالم ما لم يفهموا أن الكثير من شعوب العالم ملت من هذا النمط الأميركي الذي يريد أتباعاً وأُجراء، وليس حلفاء أو شركاء.