مناظرة ولكن

رؤية جديدة للنظام التربوي في القرن الحادي والعشرين يرافقها انفتاح على المعلومات والمعارف .. فكان لابد من مواكبة هذا العصر على الأقل من خلال تطوير المناهج وتعديلها كجزء من هذه النتيجة الحتمية لمسايرة الطرق التعليمية في الدول الأخرى.. وبالطبع التجارب كثيرة ومختلفة وما يصح في هذه الدول المتقدمة قد لا يصح لدينا.
ولكن بغض النظر عن شكل ونوع وطبيعة التغيرات التي طالت المناهج في المراحل الثلاثة من استبدال للمعلومات وحذفها والاستعاضة عنها بجملة من الأسئلة المفتوحة وتغيير ترتيب الوحدات الدرسية وتسلسل الدروس بحسب ما يرونه مناسبا لوضع إذن الجرة إلا أننا في نهاية المطاف وصلنا إلى حسن الختام، للتوجه أعمال المعنيين في الشؤون التربوية نحو: ما هو المطلوب بعد تطوير المناهج؟ فكانت المناظرات التربوية على قدم وساق مع من له ارتباط مباشر بالشأن التربوي ومع من ليس لديه أي فكرة عن المناهج سواء القديمة منها أم الجديدة، وبالتالي ليس غريبا أن تكون العناوين كبيرة جدا وأقرب إلى الخيال العلمي منها إلى البنى التحتية المتعلقة بالواقع التعليمي لدينا.
باختصار يتحدث المنظرون عن التعليم الرقمي الناجح في الوصول إلى المعلومات وعن انفتاح كبير للمناهج الجديدة على الخليوي، وتطبيق الذكاء الصنعي، والصف المقلوب وفرض نظام المبادرات والأنشطة الصفية ووو غيرها من الخطط التعليمية التي لا يشك في أهميتها ولكن على أرضية تعليمية مجهزة بنية وكوادر وإمكانيات.
لقد سقط سهوا خلال هذه المناظرات أن غالبية مدارسنا لا زالت تعتمد في تقديم المعلومات على طريقة السبورة والطبشورة، والكثير منها تحتاج إلى ترميم وتأهيل في البناء والتهوية والتدفئة والمقاعد والشبابيك وغيرها، وأنا الغالبية العظمى من المدرسين لا يقبلون أن يقلب صفهم التدريسي أو يشاركهم أحدا في مملكتهم، وأن الخليوي الذي يفترض الاعتماد عليه في تقديم المبادرات ورصد المعلومات يمنع إدخاله إلى المدارس بقرارات تربوية، وأن الاتصال المأجور للنت لا يساعد في تطبيق التعليم الرقمي وهو خارج الإمكانيات المادية للطالب، وأن الذكاء الصنعي دخل إلى حياتنا كنوع من المتاجرة أكثر مما هو تدريب على التعلم المعاصر وفوق لكل هذا وذلك لا تزال قدرات الطلبة وإمكانياتهم تقاس بعدد الدرجات التي يحصلون عليها في نهاية العام الدراسي.
وعليه كان من الطبيعي لمن يتابع هذه المناظرات أن يشعر أنها تقفز فوق الواقع، مع أن القائمين عليها يعلمون أن هناك هوة كبيرة بين حاجات المجتمع والتحصيل العلمي لأولادنا، وبخاصة عندما يضعون تصوراتهم في البحث عن المبدعين، وهم يعرفون أن الوطن يحتاج لكل أبناءه، نعم التعليم هو الأهم فهل تنطلق المناظرات من القاعدة وهل تطلب المقترحات من أهل الاختصاص بدلا من يدعى إليها الأصدقاء والمعارف.

ميساء الجردي