أردوغان: الصفعة المذلّة!

يحاول مناصرو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخل تركيا وخارجها، التغطية على هزيمة إسطنبول بطرق عدة، للتخفيف من حدّة احمرار خد أردوغان، نتيجة هذه الصفعة المذلّة كما سمتها بعض وسائل الإعلام، فها هي صحيفة «يني شفق» الناطقة بلسان حزب العدالة والتنمية، تنشر على صدر صفحاتها استطلاعاً للرأي أجرته شبكة «بي بي سي» بالعربي، يقول: إن أردوغان ما زال يحظى بتأييد كبير في أوساط الشباب العربي بنسبة 51 بالمئة في دول عربية هي: تونس والجزائر والسودان وفلسطين والمغرب ومصر والأردن ولبنان والعراق واليمن وليبيا، حسب زعم الصحيفة، من دون أن نفهم أين أجري الاستطلاع، وعن أي شباب عربي يتحدثون، هل الشباب الإخونجي مثلاً؟ في كل الأحوال النسبة التي تحدثوا عنها 51 بالمئة ليست نسبة مرتفعة وعالية، وهي تقارب النسبة التي حصل عليها بشق النفس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على حين ذهب إبراهيم قره غول لاعتبار أكرم إمام أوغلو أنه نموذج للوقاحة والسفالة والتكبر والتحذلق، وأنه نموذج خطر لانهيار السياسة في تركيا، من دون أن يسأل قره غول نفسه لمرة واحدة، هل كل هؤلاء الأتراك الذين صوتوا في إسطنبول ينتخبون سافلاً ووقحاً ومتكبراً وهم مخدوعون به؟ ولم يسأل نفسه في مراجعة نقدية لماذا حصل ما حصل في اسطنبول؟ ومن هو المتكبر والمتعجرف إمام أوغلو أم أردوغان، الذي احتقر إرادة الأتراك في انتخابات 31 آذار 2019، وضرب عرض الحائط بالقانون، وضغط لإعادة الانتخابات تحت يافطة التزوير؟ على الرغم من أن فوز إمام أوغلو كان باهتاً بفارق 0.25 بالمئة وهو فارق بسيط جداً، لكن تكبر وتعجرف أردوغان هو الذي دفعه لإعادة هذه الانتخابات، وتلقي هذه الصفعة المذّلة، وبفارق يصل هذه المرة لـ9 بالمئة من أصوات الناخبين.
الحقيقة أن أردوغان اضطر لأن يعترف بالهزيمة التي طعمها بطعم العلقم، لأنه هو القائل: من يربح إسطنبول يربح تركيا ومن يخسرها يخسر تركيا، وهو الذي اعتبر أن بقاء الأمة مرتبط بانتخابات اسطنبول، محاولاً ربط ذلك وكأنه استفتاء على رئاسته، لكنه اعترف أمام كتلته البرلمانية يوم الثلاثاء 25 حزيران 2019 أنه لا لوم على الشعب، وأن لديه القدرة على المحاسبة، وتصحيح الأخطاء معتبراً الرد هو بالإصلاحات، مطلقاً وعوداً بإنعاش الاقتصاد التركي الذي يواجه مصاعب حقيقية إذ بلغت نسبة التضخم 20 المئة، ونسبة العاطلين عن العمل إلى ازدياد.
الهزيمة هي لأردوغان لكونه هو الذي أصرّ على جولة الإعادة، وورط بن علي يلدريم بجولة ثانية، أحرقت أوراق الرجل الذي كان رئيساً للبرلمان، وقبلها رئيساً للحكومة على الرغم من أن يلدريم اعترف بهزيمته في المرة الأولى، لكن أردوغان كابر، وناور كعادته ليتلقى هزيمة منكرة.
إن الارتباك واضح في صفوف مؤيديه وقيادات الحزب، الذين يحمّلونه في أحاديثهم الداخلية المسؤولية عن كل ما يجري، ففي أنقرة أصرّ على مرشحه الذي ليس من سكان المدينة، فتلقى هزيمة كبرى، وفي إسطنبول كرر المكابرة، فتلقى صفعة قوية.
يشير أغلبية المراقبين والمتابعين للشأن التركي والصحافة العالمية إلى أن أردوغان لعب دوراً أساسياً في فوز مرشح المعارضة، ومن الأسباب التي أوصلته لهذه النتيجة:
• الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها تركيا من التضخم والبطالة.
• تأثير الإعادة وسرقة نتائج الانتخابات الأولى بالضغط والإكراه، ما أدى لردود أفعال لدى الشارع التركي حتى لدى مؤيديه.
• خسارة أصوات القوميين الأتراك الذين صعقوا بمحاولة أردوغان الاستنجاد بـعبد اللـه أوجلان الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني المصنف على أنه إرهابي لا بل تم استضافة شقيقه عثمان المطلوب على قائمة الإرهاب على قناة «RTR» الرسمية، بمعنى أنه من أجل الانتخابات يحلل الإرهاب حسب ما يراه أردوغان، وكان يمكن لأردوغان استحضار القرآن والدين للفوز باسطنبول، على عادة الإخونجية ونفاقهم.
• تمكن مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو من تقديم خطاب تصالحي يجمع الأتراك، ولا يفرقهم مقابل خطاب أردوغان الاستقطابي التقسيمي الذي استمر لسنوات، إذ ظل أردوغان يعتبر أن من يعارضه يشكل تهديداً للدولة، وهو أمر لم يتعظ منه أردوغان بعد انقلاب 15 تموز 2016، إذ اعتقد أن وقوف الأتراك ضد محاولة الانقلاب هي وقوف معه، لكنه كان وقوفاً مع الدولة، وضد منطق الانقلابات العسكرية التي تحمل ذاكرة دموية لدى الأتراك.
إن فوز أكرم إمام أوغلو حتى لو كان على رأي رئيس تحرير «يني شفق» إبراهيم قره غول هو فوز لـسافل ومنحط وبدعم خارجي لجماعة غولين كما أشار في أحد مقالاته، فهو بشكل أو بآخر يدل على ذكاء معارضي أردوغان الذين استفادوا من أخطائه القاتلة وتعجرفه وتكبره ضد الداخل والخارج، وهو أمر سيدفع ثمنه بالمزيد من تحلل وتفكك قاعدته الانتخابية، فالمعلومات من تركيا تشير إلى أن الرئيس التركي السابق عبد اللـه غُل ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان وكانا على صلات قوية بالمؤسسات المالية الدولية، بصدد إنشاء حزب جديد، بالتأكيد سيسحب جزءاً ولو بسيطاً من قواعد أردوغان، مع حديث عن انسحاب 50 نائباً من البرلمان الحالي قد ينضمون إلى الحزب الجديد، الأمر الذي يعني فيما يعنيه أن المعارضة سوف تتصاعد ضد أردوغان من أكثر من تيار سياسي، وأن أردوغان سوف يضعف شيئاً فشيئاً من الآن حتى انتخابات 2023 الرئاسية والبرلمانية.
نقطة أخيرة مفيدة لنا للمستقبل كدروس مستخلصة وهي صحيحة أننا كسوريين شعرنا بالسعادة لهزيمة أردوغان المدوية في إسطنبول بحكم أن ما فعله ونفذه تجاه سورية والسوريين سبب جرحاً عميقاً غائراً، وأن أي انعكاس للانتخابات لا نرى آثاره على صعيد الحرب التي تُشن على سورية، وتراجع الدور التركي فيها لا قيمة له، ولكن الدرس الأساسي أن أردوغان المتعجرف على الداخل والخارج قد تلقى صفعة مذّلة، وعليه تغيير سياساته الداخلية والخارجية.
أما الأهم للمستقبل فهناك نقطتان لمسؤولينا:
أ- لا تتكبروا على شعبكم وناسكم وكونوا خادمين لهم.
ب- لا تفرضوا أي إنسان على الناس، فالبعد الشعبي ورضا الناس هو البوصلة الأساسية.
أردوغان تلقى صفعة مذّلة وإلى المزيد من الصفعات حتى يفهم أن سورية ستُذل كل من يتطاول عليها إنها لعنة سورية ستلاحقكم واحداً إثر الآخر.