( شعب للبيع بخمسين مليار دولار ..فضيحة العصر: اعطنا نهر الاردن وخذ زجاجة كوكا كولا)

ككل شيء في اميريكا هناك ثمن للبشر .. ففي اميريكا يحولون كل شيء الى فاتورة وأوراق نقدية .. حتى الوجع والالم له ثمن يباع في مكاتب المحاماة والمحاكم .. السعادة ايضا لها ثمن حسب نوعها مثل سندويشة الهامبرغر كبيرة او صغيرة  .. حتى الله يبيع ويباع في اميركا بالفواتير .. فصلاة الشكر هي فاتورة للرب تدفع له لأنه أطعم المبشرين الاوائل الذين تاهوا وكادوا يهلكون الى أن أرسل لهم الله بعض الهنود الحمر الذين انقذوهم وقدموا لهم أكواز الذرة .. ورد الاميريكون الجميل لله انهم نحروا له كل الهنود الحمر وقدموهم كالقرابين ثم صلوا له وكتبوا اسم جلالته على الدولار  .. ولذلك فان العقل الاميريكي مصمم ومبرمج على حقيقة ان الوجود هو مدفوع الثمن ..  حتى عبارة (نحن نثق بالله) المكتوبة على الدولار يعتبرونها صفقة بينهم وبين الله .. هم يضعون اسمه على عملتهم وهو يرزقهم وينصرهم .. 

ومن هنا يأتي مشروعهم لما يسمى صفقة القرن .. التي هي ترجمة للعقل الاميريكي عندما تطور من مرحلة الصدام وقتل الهنود الحمر الى مرحلة ترحيل الشعوب الافريقية لملء الفراغ الذي تسبب به قتل شعب اميريكا الاصلي .. فرغم ان الاميريكي راعي البقر كان قادرا على استعباد الهنود الحمر الاصليين على ارضهم بدل استيراد السود كالعبيد الا انه فضل القضاء على الهنود الحمر والقبائل التي كان يغزوها .. لان استعباد السكان الاصليين لن تكون عملية سهلة على الاطلاق .. فالانتماء الى الارض لدى اي شعب يجعل استعباده على ارضه عملية غير موفقة وغير مجدية وصعبة للغاية .. وخاصة ان احتمال نيل الحرية كان يعني انه يمكن ان يعيد ذاكرة الأحفاد لاستعادة الأرض بعد الحرية .. وكان من الافضل القضاء عليهم وابادتهم بدل استعبادهم .. وكان لابد من عملية فصل الانسان عن الارض بشكل قاطع ولاشيء يفصله عنها الا الموت .. حتى وان فرغت الارض من الشعب .. لتصبح أرضا بلا شعب .. ويصبح المهاجرون البيض شعبا بلا ارض (تماما كما اليهود في تعريفات وعد بلفور) .. ولكن هذا خلق مشكلة وهي ان الارض الشاسعة التي تم افراغها من سكانها كانت تحتاج الى شعب آخر ليعمل فيها ويطلق عملية الانتاج .. فتم شحن عشرات ملايين الزنوج من افريقيا وتوطينهم في مزارع اميريكا بالقوة .. وهذا كان حلا معقولا .. فهؤلاء لايريدون أرضا مهما تمردوا بل اقصى مايطلبونه هو حريتهم .. حتى وان تحرروا يوما فانهم لاينتمون الى أي أرض وليست لهم فيها أية جذور بعد ان تم قص جذورهم من افريقيا وزرعهم في ارض لاينتمون اليها وليست لهم فيها آثار ولامقابر ملوك ولاتعني لهم الا انها أرض لايملكونها بل يعملون للعيش فيها لدى من يملكها وهو السيد الابيض .. وعقلية المالك لايملكها العبد وابناؤه واحفاده طالما انه يعرف انه جاء من ارض اخرى .. وهذا هو جوهر صفقة القرن .. اي تجريد الشعب من الانتماء الى الأرض .. وتجريد الارض من الشعب .. ولكن عبر عملية بيع للانسان الفلسطيني الذي تحول الى سلعة في السوق او شعب مسروق للبيع سعره خمسون مليار دولار .. 

صدقوني انه رغم كل مايقال عن صفقة القرن فانني لم اجد في التاريخ كله صفقة أكثر وقاحة منها .. ولم أجد في كل التاريخ الحقيقي والمزور صفقة فيها أكبر عملية استرقاق وعبودية .. فالتعبير الحقيقي الذي يعكس الصفقة هو انها أكبر عملية بيع للبشر في سوق النخاسة .. وماتفعله اميريكا هو ترجمة للمشاهد الشهيرة التي نعرفها منذ رواية مسلسل الجذور الشهير  لعملية بيع البشر .. في تلك العمليات كان الاميريكيون ينقلون البشر بالسفن من افريقيا الى اميريكا .. ويقتلعونهم من أرضهم ويقصون لهم جذورهم .. ويعرضونهم في السوق كالمواشي .. وما صفقة القرن الا عملية شحن للبشر ونقلهم خارج ارضهم وقص حذورهم .. وكلفة العملية خمسون مليار دولار فقط وتتم عملية النقل اليوم عبر رشوة صغيرة وتافهة .. وهي تحسين ظروف معيشة العبيد .. بخمسين مليار دولار .. ويتم نقل الفلسطينيين من من حالة شعب مالك لفلسطين الى حالة شعب ثمنه خمسون مليار دولار .. وهو أدنى سعر تم تداوله في بورصة النخاسة البشرية منذ ان وجدت .. وثمن بخس جدا جدا للانسان الذي لم يعد يساوي الا بضعة دولارات .. وحسب مقاييس اميريكا فان ضحايا طائرة لوكربي تم تقدير ثمنهم باكثر من 3 مليارات دولار ودفع ثمنهم الزعيم القذافي مرغما عندما تركته العواصم العربية وحيدا في المواجهة في قضية لوكربي .. وهذا يعني ان كل الشعب الفلسطيني وكل فلسطين لاتساوي وفق ثمن صفقة القرن الا 16 طائرة لوكربي بركابها البالغ مجموعهم قرابة 4500 انسان .. وكل فلسطين الجغرافية وكل القدس لا تساوي مايعادل 16 طائرة ركاب ..

ماقاله امل دنقل في قصيدة (لاتصالح) هو بالضبط المعادل الجوهري لمفهوم صفقة القرن:

لاتصالح 
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك 
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى 

انها فضيحة العصر والثمن الأبخس في التاريخ .. فاليهود وهم أثرى الناس على هذا الكوكب هذه الايام لايرون ان كل مال الدنيا يعادل أرضا ووطنا .. ويبحثون عن كل شجرة زيتون وليمون في فلسطين لشرائها ..وكما قالوا للسادات: اعطنا نهر النيل وخذ مقابله زجاجة كوكاكولا .. فقبل .. فانهم اليوم يقولون للفلسطيني: 
اعطنا عينيك وخذ جوهرتين مكانهما .. اترك الزيتونة واترك الليمونة .. وخذ أطوموبيل ..  
أعطنا الماء وخذ الكأس الفارغ .. 
اعطنا نهر الاردن .. وخذ زجاجة كوكا كولا .. 
أعطنا كل زيتون فلسطين وخذ علبة ببسي كولا .. 

هذه الصفقة هي النتيجة الطبيعية لأسوأ قرار تورط فيه الفلسسطينيون وهو القرار الفلسطيني المستقل الذي أنجب أوسلو .. لأن منح القرار الفلسطيني المستقل خلص الزعماء العرب من اي مسؤولية تجاه فلسطين بحجة ان لفلسطين قرارا مستقلا .. والقرار الفلسطيني هو السلام الذي يحميه محمود عباس برموش عينيه .. فيما قرر جزء آخر من قيادة الشعب الفلسطيني "اسلمة" القضية وتكليف اردوغان وقطر بتولي رعايتها .. فيما فلسطين ليست قضية اسلامية ولاعربية بل هي قضية انسانية مثل قضية الحرية والعبودبة والوجود البشري .. 

لذلك من العار ان تنتصر زجاجة البيبسي كولا على بساتين الزيتون .. وأن يهزم نهر الاردن امام هدير وزئير وفوران زجاجة كوكا كولا.. ومن العار ان تساوي طائرة لوكربي واحدة ثلث فلسطين .. 

لايوجد أي رد على صفقة الكوكاكولا الا شيء واحد يرد الاعتبار للشعب الفلسطيني .. هو انتفاضة الزيتون .. التي ستقتلع معها أوسلو .. وهذا سيجر معه اقتلاع للقرار الفلسطيني المستقل .. وتعيد كوشنر والعرب الى حافة عام 1936 .. عندما كانت فلسطين ملكا للجميع .. وحريتها مسؤولية الجميع .. عربا وغير عرب .. مسلمين وغير مسلمين .. لأن فلسطين قضية العصر .. ومواجهة العصر .. معركة بين الفناء والبقاء ..