هل السودان على أبواب حربٍ أهليةٍ بأموالِ العرب؟

هي حروب السودان الأهلية في تاريخه المُعاصِر، بين أولى وثانية، وقد تكون هذه المرة الثالثة، بالعودة إلى الحرب الأولى المعروفة أيضاً باسم أنانيا (أي سم الأفعى) أو تمرّد أنانيا، وهو صراع بين أعوام (1955: 1972) بين الجزء الشمالي من السودان والجنوبي منه الذي طالب بمزيدٍ من الحُكم الذاتي الاقليمي. ويعتقد بأن ضحايا الحرب خلال 17 عاماً من الحرب أكثر من نصف مليون، ومع ذلك فإن الاتفاق الذي أنهى القتال في 1972 فشل تماماً في تبديد التوتّر الذي تسبّب في نشوب الحرب الأهلية، ما أدّى إلى إطلاق شرارة صراع لحربٍ أهليةٍ ثانيةٍ (1983: 2005).

حيث انتهى الصراع رسمياً مع توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام في كانون الثاني/ يناير 2005 واقتسام السلطة والثروة بين حكومة رئيس السودان عمر البشير وبين قائد قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق.
بعد عشرات السنوات وبالعودة إلى بدايات ما بعد البشير، فقد تسلّم المجلس العسكري سلطة السودان، وإن افتقد زمام المبادرة بفضل التضليل العربي، وصار ردّ فعل على كل حركةٍ في الشارع، وفي أحوالٍ كثيرةٍ مناوراً يسعى إلى امتصاص غضب المُعتصمين، ومشلولاً أمام انضباط قوى المعارضة، إلى أن سالت الدماء أمام مقر قيادة الجيش، فعادت البلاد إلى الأيام الأخيرة قبل عَزْل البشير. بالطبع سبقت كل ذلك عمرة لـ"البرهان" نحو عديد قمم للعرب في مكّة، ومعه "حميدتي" في طواف وسعي بين عواصم العرب.
هنا حذّر عديد السياسيين والمُحلّلين من مغبّة وقوع حربٍ أهلية، بسبب ما وصِفَ بحال استقطابٍ سياسي حاد في البلاد، في وقتٍ تُتَّهم فيه جهات ومنظمات خارجية وجاليات مرتبطة بتجمّع المهنيين والمعارضة، فالمعارضة عملت على تعبئة عالية لأنصارها، مستغلّين رمزية 6 نيسان/ أبريل. في تعبئة وشحن عالٍ، تم وصفها بـ"الكبيرة"، منذ أن بدأ مخطط حشد مليون مواطن سوداني في باحة القيادة العامة. وممارسة سياسة "المباراة الصفرية"، أي الرغبة في الحصول على كل شيء وحرمان الآخرين من كل شيء.
هنا حضر كعادتهم العرب، نحو التغلغل في الثورة السودانية، وإحكام السيطرة على قادة المجلس العسكري، من خلال السخاء المالي، وإرسال السفراء والوسطاء، وكل ذلك في سبيل عدم وصول أيّ حكمٍ ثوري عربي إلى السلطة يغرّد خارج السرب، حتى بدأت قوى الأمن بفضّ تلك الثورة. ومنذ الساعات الأولى للثورة السودانية، وانقلاب قاده الجيش ضد البشير، سارعت العواصم العربية إلى إعلان تأييدها لخطوة الجيش، وزيارات المجلس العسكري السوداني الذي قام بعدها بفضّ الثورة بالسلاح، وقتل المدنيين.
لقد قدَّمت السعودية حزمة مساعدات للسودان، كما طلبت الإمارات، التواصل مع المجلس العسكري لبحث مساعدة السودان. وتبعت تلك الخطوات اتصالات من قِبَل قادة السعودية والإمارات برئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني "البرهان"، ثم استقباله لوفدٍ رفيعِ المستوى من البلدين، استمرت زيارته في الخرطوم يومين. وعندها ظهر "حميدتي" ليعلن موقف السودان الجديد من المشاركة بحرب اليمن، حيث الدعم المالي، وإن أعقب تلك الزيارة إعلان الدولتين الخليجيتين، في 21 نيسان/ أبريل الماضي، تقديم الدعم المادي للسودان بقيمة 3 مليارات دولار أميركي، وإيداع نصف مليار دولار في البنك المركزي السوداني.
لقد جاء الحَذَر بعد هذا الدعم، في أوساط سودانية خشيةً سرقة (الإمارات والسعودية) ثورة بلادهم، فـ(حميدتي) عندما قام بزيارة الرياض، وقابل وليّ العهد. حضر لتأكيد ولاء المجلس العسكري السوداني للرياض، وبقاء جنوده في حرب اليمن. كذلك كشفت تصرّفات "البرهان" خلال زيارته إلى مصر درجة الولاء الكبيرة، فـ"البرهان" وبعد زيارته إلى مصر اتجه نحو الإمارات، وهو ما قطع الشك باليقين على إتمام سيطرة (الرياض وأبوظبي) على المجلس العسكري.
بالطبع هي السيطرة على المجلس العسكري السوداني من المحور (الإماراتي السعودي المصري)، والدليل الدعم المالي الذي قدّمته دول المحور للمجلس، بالرغم من أن الحكومة لم تتشكّل في البلاد. فالزيارات التي بادرت بها قيادات المجلس كـ"حميدتي" لمصر، و"برهان" للإمارات، وإن كان يجب أن تكون من قِبَل دول المحور وليس العكس، بَيْدَ أن المجلس حديث العهد، وفي بداية تكوين حكومة ودستور جديد. وعليه فأهداف التدخل (الإماراتي السعودي) هي ضمان استمرار عدم قيام حكومة مدنية مستقلة في السودان.
إن المخطط (الإماراتي السعودي) لوأد الثورة الشعبية في السودان ذو وجهين؛ يتجلّى أحدهما في دعم وتسليح المجلس العسكري الانتقالي الذي يتفاوض مع المُحتجين، بينما يرمي الآخر إلى استغلال القادة المدنيين الذين يسعون إلى تطهير الجيش والحكومة والخدمة المدنية والقضاء من الإسلاميين. وبعد أن يُفلِح (الإماراتيون والسعوديون) في مخططهم سيستولي حلفاؤهم السودانيون على السلطة في البلاد. فبعد الإطاحة بالبشير و تولّي مجلس عسكري انتقالي السلطة، أصدرت أبوظبي بياناً أعلنت فيه دعمها استمرار الحُكم العسكري هناك، والتقى مندوبون من (الإمارات والسعودية) شخصيات بارزة في المجلس الانتقالي السوداني، يوم 13 نيسان/ أبريل الماضي، حيث بحثت أبوظبي عن شخصيات مُحتملة لدعمها في حكومة ما بعد الثورة، فالسعي جاء لترسيخ النموذج المصري في السودان.
فهل يستمر هذا الدعم (السعودي الإماراتي)، نحو إشعال السودان المُلتهب، ودعم لدارفور جديدة في الخرطوم.. لننتظر ماذا سيفعل العرب وسط تدخل ووساطة إفريقية؟، عليه يجب أن يتذكّر الجميع ما حدث للسودان في "إحدى أطول وأعنف الحروب في القرن الماضي والتي راح ضحيتها ما يقارب 1.9 مليون من المدنيين، ونزح أكثر من 4 ملايين منذ بدء الحرب. وعدد ضحايا مدنيين لهذه الحرب كأحد أعلى النسب في أية حرب منذ الحرب العالمية الثانية".
ليعمل الجميع نحو تجاوز حال استقطاب سياسي، لتكون الشراكة في الميدان السياسي، ومعادلة تضبط هذا الميدان، وبغير هذا سينحدر السودان إلى حال اللا استقرار، وعدم الاعتراف بالآخر، وحرب أهلية.. فهل سيكون لأموال العرب النصيب الأكبر فيها؟.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً