الرشوة النفسية والفساد المجتمعي

قد يبدو العنوان غريباً، لكن أرى فيه الظاهرة الأخطر التي تهدد كل مكان تنتشر فيه سواء أكان أسرة أو مؤسسة وصولاً إلى كيانات الدول والمجتمعات، وإذا كان هناك من يتجنب الخوض في الحديث عن الفساد والرشوة بذريعة الوطنية والحرب التي تعصف بالبلد منذ أكثر من خمس سنوات فلم يعد ذلك صالحاً للاستخدام بعد أن تناوله السيد الرئيس بشار الأسد، وسلط الضوء عليه موضحاً أمام أعضاء مجلس الشعب بشفافية تامة أخطاره وتهديداته بقوله: " .. فلو كان بيتنا الداخلي صلباً وقوياً متماسكا لا يضرب الفساد والخيانة بعض زواياه لما وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن". ومنذ عقود قالها القائد المؤسس حافظ الأسد طيب الله ثراه" " لا أريد لأحد أن يسكت عن الخطأ ولا أن يتستر على العيوب والنواقص" وقبل ذلك بقرون روي عن الرسول الكريم محمد"ص" قوله: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ، وطالما نحن في حرب فأضعف الإيمان لا يرقى إلى مستوى المسؤولية، ويصبح الحد الأدنى للمساهمة بالتغيير يتجلى الكلمة الموجهة الهادفة لتتمكن بقية المؤسسات من فعل المطلوب باليد وفق المرجعية والاختصاص. بعيداً عن التنظير الأكاديمي ما من مجتمع أو دولة في الكون تستطيع الادعاء أنها خالية من الفساد والخيانة لكن الأمور نسبية، والنسبة التي يمكن تحملها والتعايش معها في دولة وظرف محدد قد لا تعطي المدلول ذاته في دولة أخرى، أو وفي توقيت وظرف مختلف، وإذا كان الفساد آفة تفتك ببنية المجتمع والدولة فأخطر ما فيه أن يتحول ليس إلى ظاهرة بل إلى ثقافة وطريقة تفكير، وهنا الطامة الكبرى، فالمسؤول الذي يسرق أو يرتشي أو يساهم بهدر المال العام لا يمكنه فعل ذلك وحيداً بل لابد من الاعتماد على عدد من الكومبارس الذين يزينون له فعلته، ويهيؤون البيئة المطلوبة لذلك، وفي هذه الحالة لا تقل جريمة التاجر أو رجل الأعمال فساداً وخيانة وأذى للوطن من ذاك الذي يقبل التعامل معه وتسهيل الالتفاف على القوانين والأنظمة، وهكذا يكبر الفساد ويتدحرج ككرة الثلج فوق منحدر من الثلج، في حين لو تم تناقلها مجرد تناقل ومعاينة بين أيدي الناس فمجرد حرارة الإحساس بالأخطار والتهديدات كفيلة بتذويبها قبل أن تقطع مسافة بعيدة، ومن هنا تتبلور أهمية تسليط الضوء على خطر ظاهرة الفساد بكل أنواعه، لأنه إن تحول إلى طريقة تفكير يصبح هو القاعدة، ويصبح السلوك القانوني والوطني هو الشواذ، فالأموال التي قد تنهب أو يتم تحويلها بمباركة عشاق الفساد يمكن استردادها لكن ماذا عن الآثار التي تخلفها في النفوس فيصبح الحرامي والفاسد قبضاي وشاطر، ويتحول الوطني والشريف إلى غبي وجبان. الأمر الآخر شديد الخطورة يتجسد فيما يمكن تسميته اصطلاحا بالرشوة النفسية، والضحية هنا ليس المال العام ولا القانون فقط، بل المتورطون بتقديم الرشا وتسهيل الفساد، حيث يسيطر على تفكير العديد أن هذا الشخص أو ذاك مدعوم وما يريده سيتم تمريره إما عن طريقي أو عن طريق غيري فلماذا " لا أفيد واستفيد" ؟ وهذه إحدى أخطر الأثافي التي ينتصب عليها تنور إحراق المجتمع، فالمرتشي يحتاج إلى راشٍ، والخائن لايكون إلا بوجود من يخون لصالحه، واستمرار الفاسد بفساده من دون رادع يخلق نفسياً لدى الأخر نزوعاً للتقرب منه وتحسين العلاقة به وبامتدادته، فضلا عن حافز اللجوء إليه لتحقيق ما لا تسمح القوانين والأنظمة النافذة ببلوغه، وهكذا يتحول الراشي إلى ضحية ثقافة هجينة ومفاهيم تم تفصيلها وتركيبها لنخر بنية المجتمع السليم، وكلما تكررت الحالة تحت ذريعة " هل توقف الأمر علي؟" أو " الكل عم يشتغل هيك" كلما اتسعت دائرة الخلل، فيصبح المسؤولون والمتنفذون المنتفخون بالصدفة أمراء نفوذ في هذه المنطقة أو تلك، أو في هذا القطاع أو ذاك، إما خوفاً أو عجزاً من البقية الذين يتحولون ـ بالضرورة ـ إلى ضحايا رشوة نفسية ابتلعوها من حيث يدرون أو لا يدرون، وهذا يقود بالضرورة إلى تحول الفساد من ظاهرة فردية وموضعية إلى ظاهرة عامة أو ما يمكن تسميته " الفساد المجتمعي" ، وإذا كان الفساد في الحالة العادية جريمة فإنه يصبح خيانة في زمن الحرب، والقصاص من الخونة في زمن الحرب يختلف عما هو عليه في زمن السلم، وهذا التاجر ورجل الأعمال أو ذاك، وصاحب هذا الطلب أو الحاجة الذين يلجؤون إلى طرق ملتوية للحصول على ما يريدون ، أو لإقصاء الشرفاء والانتقام منهم على وطنيتهم واستقامتهم لا تقل مسؤوليتهم عمن يمارس من موقع مسؤوليته الفساد أو الخيانة، لأنه لولا الراشي يصبح المرتشي عاطل عن العمل. السؤال الأهم : هل هذا قدر لا يمكن مواجهته؟؟ باختصار شديد لا ، والقضاء على ذلك مسؤولية مجتمعية لا حكومية فقط، فكل شخص يرفض الإذعان لابتزاز الآخرين على الرغم من حاجته يسهم بشكل مباشر في مكافحة الفساد والقضاء عليهكما يساهم فس سد الأبواب بوجه الخيانة والخونة، وكذلك الأمر في كل مواطن يرفض ابتلاع ملعقة من الرشوة النفسية التي تأخذه إلى الفساد المجتمعي، وفي حال رفضها تتحول وبشكل آلي إلى جزء من مصل يحقن في وريد المجتمع لتحصينه وتعرية الحيتان التي تمص دماء أبنائه، فالجميع مستهدف ومتضرر من الفساد والخيانة، وكلاهما يمكن أن يستفرد بالأفراد ويتعامل مع كل شخص على أنه إصبع في كف يمكن عصرها وليها واجتثاثها إن تطلب الأمر، ومع اشتداد العصر تستطيع تلك الأصابع أن تتماسك وتشكل قبضة قادرة على توجيه اللكمة إثر الأخرى لوجوه الخونة والفاسدين ، وعلى أولئك إن كانوا حريصين عل استمرارية قدرتهم أن يتيقنوا أن غالبية الضحايا يشعرون بالقهر جراء العصر المستمر والمتصاعد، وقد يتحولون في أية لحظة إلى قبضة فولاذية قادرة على سحق الفساد والمفسدين والخونة والمأجورين، وهنا يتبلور دور النخب السياسية والثقافية والإعلامية والمجتمعية، أي أن دوراً مهماً ينتظر كل فرد للقيام به، فهل نستطيع القيام بهذا الدور؟؟ أجزم نعم نستطيع، ولكن هل ننتقل بالأمر من واقع الكلام إلى واقع الفعل؟ آمل ذلك.