أكبر من فجيرة وأصغر من انفجار

اهتزت مياه الخليج العربي وتمايلت ناقلات النفط الراسية، على أصوات انفجارات متتابعة ضربت عدداً من الناقلات العملاقة الراسية في ميناء الفجيرة التابع للدائرة الاقتصادية لدولة الإمارات العربية المتحدة، والذي يعتبر قبلة التصدير لبترول دول الخليج.
الانفجارات أصابت ناقلات نفط ترفع علم المملكة العربية السعودية وعلم الإمارات العربية المتحدة، كما ألحقت الضرر بناقلات أخرى من جنسيات أوروبية.
بعد شيوع الخبر أصيبت أسواق المال بالارتباك، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع في سعر البترول، كما أدى إلى هبوط أسعار الأسهم الأميركية والخليجية على حد سواء، وما زاد الأمر سوءاً هو صعود أسعار النفط في الأسواق العالمية بعد الإعلان عن استهداف خط أنابيب النفط الذي يغذي ميناء ينبع السعودي الواقع على البحر الأحمر، وذلك بواسطة طائرات مسيرة من دون طيار.
بعد ارتفاع سعر برميل البترول إلى ما يقارب 70 دولاراً، وتراجع أسعار الأسهم السعودية والأميركية في البورصة العالمية، ساد المنطقة والعالم نوع من الترقب والقلق المشوب بالخوف من توفر ذرائع اندلاع حرب مدمرة بين إيران وأميركا في الخليج، وخصوصاً بعدما عمدت وسائل الإعلام في كل من أميركا ودول الخليج، وحتى في الكيان الصهيوني المسارعة باتهام إيران بوقوفها خلف تفجيرات الفجيرة واستهداف خط أنابيب ميناء ينبع السعودي.
واشنطن تقول إن التحقيقات بالحادث ما تزال جارية لمعرفة الجهة التي تقف وراء تلك الأعمال الإرهابية، كما أضاف الناطق باسم البيت الأبيض، رداً على سؤال أحد الصحفيين عن احتمال نشوب حرب ضد إيران، قائلاً: «لا قلق من احتمال حرب مع إيران، ونريد إبرام صفقة جديدة معها»، في إشارة واضحة إلى وجود رغبة أميركية بإنجاح المفاوضات الدائرة سراً عبر دولة قطر مروراً بالعراق، سعياً لإبرام اتفاق جديد يلبي مصالح الطرفين الإيراني والأميركي.
السؤال هو حول الجهة المنفذة المستفيدة من انفجارات الفجيرة، واستهداف خط أنابيب ميناء ينبع السعودي، الأمر الذي يعيد ترتيب نفوذ الدول في منطقة الخليج بما يضعها على صفيح بركان لاهب ومتفجر.
في سياق البحث عن الجهة المنفذة والمستفيدة من أحداث الخليج، نستعرض التالي:
أولاً، بالنسبة لاستهداف أنابيب البترول في السعودية، فقد أعلنت «أنصار الله» المدعومة من إيران مسؤوليتها عن الاستهداف بواسطة طائرات مسيرة من دون طيار.
ثانياً، تبقى معرفة الجهة التي نفذت انفجارات الفجيرة.
إذا ما استعرضنا مواقف الدول، بدءاً من أميركا وإسرائيل وإيران، لوجدنا أن كل تلك الدول مستفيدة مما حصل في الفجيرة، وكل حسب تحقيق رغباته ومصالحه، باستثناء دول الخليج التي اهتز أمنها وتضرر اقتصادها.
العدو الإسرائيلي: له مصلحة كبرى في ما حصل، حيث إن حكومة العدو الإسرائيلي لم تبرح التحريض على إيران، ومن غير المستبعد أن يكون الموساد الإسرائيلي خلف تفجيرات الفجيرة محاولاً جر الأميركي ودول الخليج لشن حرب على إيران.
الولايات المتحدة الأميركية: مصلحتها في ما حصل هو استثمار الحدث لتخويف دول الخليج بغرض ابتزازها مالياً بصفقات أسلحة بمليارات الدولارات الخليجية تصب في خزانة واشنطن، ولتقول لدول الخليج «تريدون الحماية الأميركية؟ عليكم بالدفع»، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإنه في حال قررت أميركا شن الحرب على إيران، وهذا مستبعد، فإن ما حصل في الفجيرة سيوضع في خانة تراكم الأسباب الموجبة لشن الحرب على إيران. لكن، وبعد التصريحات الأميركية بعدم الرغبة في اندلاع حرب في الخليج، تبقى الأمور في خانة الابتزاز المادي لدول الخليج. وإذا ما أضفنا تصريح الإمام الخامنئي الأخير بأنه لن تكون هناك أي حرب مع الولايات المتحدة، نستنتج بأن فكرة الحرب باتت مستبعدة.
تبقى إيران: ولها مصلحة في ما حصل بالفجيرة، أولاً لإرسال رسالة واحدة وفي اتجاهات عدة مفادها أن «الأمن في مياه الخليج هو من اختصاصنا، وان يدنا تبقى العليا في هذا المجال، على الرغم من الحشود العسكرية ووجود البوارج وحاملات الطائرات الحربية الأميركية والفرنسية». والرسالة نفسها تذهب باتجاه دول الخليج، وتحديداً السعودية ودولة الإمارات العربية، أنه «في حال مُنِعَ البترول الإيراني من التصدير، فإن بترولكم لن يجد طريقاً للتصدير»، وللقول للأميركي إنه في حال أردتم الاتصال بنا والتفاوض معنا، فإننا سنفاوض من منطق القوة وليس من منطق الضعف.
إذاً من الصعب تحديد الجهة المنفذة لأن الجميع له مصلحة في ما حصل، كل حسب مصلحته ومقاصده.
وبغض النظر عن الجهة التي تقف خلف تفجيرات الفجيرة، فإن نتائج الحدث بحد ذاته، وحجم الأضرار البسيطة، دليل واضح على أنه عمل احترافي الهدف منه توجيه رسالة قوية موجهة بالدرجة للدول المصدرة للنفط، وخصوصاً أن الناقلات المستهدفة ترفع علم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
الرسالة سلمت للسعودية والإمارات باليد. والاهم، أن الرسالة استلمها كل من البيت الأبيض في واشنطن وفرنسا وحتى أوروبا الضعيفة، بواسطة الإعلام، بعدما أشيع خبر الإعلان عن التفجيرات بوسائل الإعلام، على الرغم من تعتيم الإعلام الخليجي والأميركي عن خبر التفجيرات لمدة 24 ساعة.
إن من أراد الإفصاح عن التفجيرات وفضح المستور، تقصّد القول عن سابق تصور وتصميم «إن أمنكم في الخليج هش، ولن تكونوا بمنأى عن أهدافنا».
إن ما حصل في ميناء الفجيرة لا يعدو كونه بداية مرحلة جديدة من شد الحبال، وتعزيز مواقع التفاوض الدائر خلف الغرف المغلقة وفي القنوات الخلفية، من خلال طرف ثالث يتكفل بنقل الرسائل بين الأطراف المعنية بعناية وسرية تامة، ومن خلف ظهر دول الخليج المحرضة إعلامياً، اللاهثة خلف تنفيذ عمل عسكري أميركي إسرائيلي ضد إيران. ولن يطول الوقت لتكتشف دول الخليج بأن السيناريو الحالي شبيه إلى حد بعيد بالسيناريو الذي سبق الإعلان عن محادثات سرية بين إيران وإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في مسقط، والتي أفضت إلى مفاجأة دول الخليج بالإعلان عن الاتفاق النووي الإيراني.
إنها مرحلة التفاوض عبر الموانئ المصدرة للبترول، وأنابيب النفط الممدودة فوق رمال الصحراء وقريباً سنشهد انتقال التفاوض إلى العلن وعالمكشوف.
يبقى أن نشير إلى أن ما حصل في الفجيرة قد أبعد فكرة نشوب حرب شاملة في مياه الخليج، وذلك بعد انكشاف مدى هشاشة الأمن في مياه الخليج رغم الحشد غير المسبوق للبوارج الحربية وحاملات الطائرات الأميركية والفرنسية.
بناء على تقدم نقول: لا حرب في الأفق، وان ما حصل في مياه الخليج لا يعدو كونه «أكبر من فجيرة وأصغر من انفجار»، ولن يؤدي إلى تفجير المنطقة بانتظار تجميع الأوراق وتحسين التمركز خلف المكامن بين الأطراف المتفاوضة. وتبقى دول البترول الخليجي دون أي تأثير في المعادلة وآخر من يعلم.